ardanlendeelitkufaruessvtr

أزمة المناخ، آخر الهمّ في العالم العربي

أزمة المناخ، آخر الهمّ في العالم العربي

اللامبالاة تجاه التغيّر المناخي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحت أمراً شائعاً رغم أن المشكلات المُرتبطة بها تزداد سوءاً حيث من المتوقع أن تحدث موجات جفاف أطول وأشد حرارة.

التحديات كبيرة والحمل ثقيل

تكثر النوائب عندما لا تُعالج أولاً بأول. يحدث الأسوأ عندما لا تعود تعرف من أين تبدأ أو ما هو الأول: البطالة، أم التضخم أم الفقر أم تراجع الإنتاج الزراعي أم نقص الموارد أم تفاقم أزمات الخدمات العامة في الصحة والتعليم والبنية التحتية.

اذهب إلى مدن مثل القاهرة وحاول أن تقود سيارة، وسوف تكتشف أننا لم نتمكن من حل أزمة المرور، فما بالك بالأزمات الخانقة الأخرى.

لهذا السبب، فإن الانشغال بأزمة التغير المناخي أصبح “آخر الهمّ”، رغم أن هناك أسبابا جديرة بالاعتبار تؤكد أن إهمالها سوف يضاعف أثر النوائب الأخرى إلى درجة لا تعود معالجتها ممكنة أصلا. بل أن بعضها يمكن أن يُسفر عن نتائج تعصف بالاستقرار السكاني نفسه.

وبدلا من النظر في الوسائل التي يمكنها أن تحد من تطرف التغير المناخي، اختارت بعض البلدان العربية مثل الجزائر والعراق أن تتعامل معه على أنه “مؤامرة خارجية”، وذلك لكي تعفي نفسها حتى من مجرد التفكير في عمل أي شيء، عدا “التصدي للمؤامرة”.

حرائق الغابات في الجزائر سببها المغرب. حتى جفاف الأشجار ونقص الأمطار، سببه المغرب. وبرغم أن أزمة شح المياه في العراق عمرها من عمر ظهور “العراق الجديد” على الخارطة السياسية في المنطقة، فإن الأزمة هناك “مؤامرة” سببها إيران وتركيا، وليس إهمال حكومات ما بعد الغزو، التي غزت الموارد، فلم تلتفت إلى ما ينتظر المزارع والحقول والأهوار والبحيرات على امتداد نهري دجلة والفرات اللذين يقطعان العراق بالطول.

وبطبيعة الحال، لم يكن بوسع حكومات المحاصصات الطائفية أن تفهم أن هناك صلة وثيقة بين اقتلاع السكان من أراضيهم وبين ظهور تنظيم داعش. سوف يقال لك، إنه لا توجد صلة أيضا بين الجفاف وبين المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

لا شك أن دولنا ليست هي المسؤولة عن التغير المناخي. الدول الصناعية الكبرى هي المسؤول الأول. هذا صحيح. ولكن الكارثة كارثتنا نحن. وتهدد مواردنا واستقرارنا نحن

الكويت بدلا من أن تستثمر في زراعة الأشجار للحد من ظاهرة “الطوز” وارتفاع درجات الحرارة، فقد استثمرت في السفر الجماعي إلى خارج البلاد في أشهر الصيف، أو في استيراد مكيفات الهواء، التي ترفع درجات الحرارة!

والأمثلة كثيرة. الجفاف يزداد في شمال أفريقيا بدرجات تدفع إلى نضوب الواحات، وهي مصدر حيوي ليس للزراعة وحدها، وإنما لتوفير مياه الشرب والاحتياجات الأخرى. وتواجه دلتا النيل خطر ارتفاع مياه البحر، بينما يقول خبراء المناخ إن ارتفاع درجات حرارة الأرض بدرجتين سوف يؤدي إلى غرق الإسكندرية. ساعتها سوف تكون بحاجة إلى أن تبحث عن مساكن لإيواء خمسة ملايين نسمة، وأن تُسقطهم وتُسقط مدينتهم من الحساب الاقتصادي للبلاد.

وعندما يغلب عليك حس الفكاهة، يمكنك القول إن مصر سوف تعالج هذه الأزمة عندما تعالج أزمة المرور في شوارع القاهرة.

بعض “التفاصيل الصغيرة” مثير للرعب أيضا، من قبيل أن الأمطار المبكرة في اليمن تجرف أزهار الأشجار فتحرم أسراب النحل من التغذي على رحيقها في اليمن، ما يهدد حياة نحو 100 ألف إنسان يعملون في إنتاج “العسل اليمني” الشهير. “العسل” المتداول في اليمن الآن، هو طائرات الحوثي المسيرة التي تهاجم السعودية.

غلال الإنتاج الزراعي تتراجع في كل مكان في العالم العربي. لا يوجد بلد عربي واحد لم يتضرر في هذا الباب. والإحصاءات أكثر من أن تجد لها مكانا هنا.

في يونيو 2018، أي قبل أربع سنوات من الآن، انتبهت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية إلى أن “اللامبالاة تجاه التغيّر المناخي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحت أمراً شائعاً، رغم أن المشكلات المُرتبطة بها تزداد سوءاً، حيث من المتوقع أن تحدث موجات جفاف أطول وأكثر حرارة، إضافة إلى العواصف الترابية، كما يزداد عدد فترات الجفاف في السنة، ما يؤدي إلى موت المحاصيل الزراعية”.

لقد كان ذلك نوعا من تحذير متأخر أصلا. لأن أزمة تراجع الغلال تعود إلى عشر سنوات سبقت هذا التحذير.

ولكن لم يتلفت أحد إلى الخطر في مطلعه، ولا بعد ذلك، ومن ثم إلى الآن أيضا. وكأننا كنا ننتظر اندلاع حرب في أوكرانيا لنكتشف أننا نستورد القمح منها لنأكل. ولقد اختارت حكوماتنا أن تتستر على الأزمة بالاستيراد، بدلا من معالجتها. أي بالضبط مثلما يفعل الكويتيون باستيراد أجهزة التكييف، وفقا لنظرية قديمة تقول “وداوها بالتي كانت هي الداء”.

الحرب في أوكرانيا كانت مجرد فضيحة لسياسات التستر. الفكرة السائدة في مؤسسات الإدارة العامة العربية تقول: طالما أن لدينا موارد أخرى نشتري بها قمحا وشعيرا من الخارج، فلماذا ننشغل بمعالجة الأزمة؟

أي أننا نضحي بموارد، لأننا لم نستطع معالجة النقص في الموارد الأخرى.

في العام 2018 أيضا، أصدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) تحذيرا شديد اللهجة من أوضاع مناخية متطرفة تبلغ حد الانتقام إذا ما استمر إهمال المخاطر. وقالت إن “السيناريوهات التي تنتظر المنطقة قاتمة وكئيبة، ما لم يتم القيام بأمر ذي مغزى وفعالية على وجه السرعة لمكافحة آثار ظروف الطقس السيئة”. وحيث أن الكوارث المنتظرة أصبحت من القوة حتى صارت مما لا رادّ لها، فقد اقترحت “إسكوا” إطارا لمعالجة نتائج الكوارث، والتكيف مع أسبابها. وهو ما يجسد تعبيرا حادا عن مشاعر اليأس من أن هذه المنطقة باتت غير قادرة أصلا على أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فتتبنى برامج للتنمية تكفل مكافحة آثار التغير المناخي على اقتصادها.

لدينا هموم أخرى. بعضها في أوكرانيا. وبعضها الآخر في البطالة والتضخم والفقر. وبعضها الثالث في تراكم النوائب فوق بعضها حتى لم نعد نعرف من أين نبدأ

لا شك أن دولنا ليست هي المسؤولة عن التغير المناخي. الدول الصناعية الكبرى هي المسؤول الأول. هذا صحيح. ولكن الكارثة كارثتنا نحن. وتهدد مواردنا واستقرارنا نحن.

محاسبة الدول الصناعية ومطاردتها لتقديم تعويضات للمساعدة في خفض البصمة الكربونية الخاصة بنا أو لاتخاذ تدابير التكيّف، ربما كانت طموحا مشروعا ومعترفا به. ولكن لا يمكن الركون إليه. كما لا يمكن الاكتفاء به، لأنه بات أقرب إلى الشحاذة منه إلى القيام بعمل حقيقي

في أكتوبر الماضي أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مبادرتين كبيرتين، ما يزال بوسعهما أن تُحدثا انعطافا معقولا.

الأولى تقضي بـ”إنشاء منصة تعاون لتطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون، وتأسيس مركز إقليمي للتغير المناخي، وإنشاء مجمع إقليمي لاستخلاص الكربون واستخدامه وتخزينه”، بما يشمل “تأسيس مركز إقليمي للإنذار المبكر بالعواصف، ومركز إقليمي للتنمية المستدامة للثروة السمكية، وإنشاء برنامج إقليمي لاستمطار السحب، وإطلاق مبادرة عالمية تسهم في تقديم حلول الوقود النظيف لتوفير الغذاء، لأكثر من 750 مليون شخص بالعالم”.

والثانية، تقضي بزراعة 50 مليار شجرة، في كل أرجاء المنطقة.

هاتان المبادرتان اللتان أطلقتا بالتزامن مع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي “كوب 26” في بريطانيا، يطغى عليهما الغبار الآن؛ غبار الانشغالات بكل شأن آخر، عدا توفير الموارد اللازمة لتحويل هذا المشروع إلى عمل إقليمي نشط.

لدينا هموم أخرى. بعضها في أوكرانيا. وبعضها الآخر في البطالة والتضخم والفقر. وبعضها الثالث في تراكم النوائب فوق بعضها حتى لم نعد نعرف من أين نبدأ.

شيء واحد ظل ينقص التفكير بمعالجة أزمة التغير المناخي. وهو أنها إطار عمل استثماري، يمكنه أن يساعد في الحد من ظاهرة البطالة والتضخم والفقر.

الطاقة النظيفة، على سبيل المثال، يمكنها أن توفر طاقة من جهة، وتخفض البصمة الكربونية من جهة ثانية، كما يمكنها تشغيل عشرات الآلاف من الأيدي العاملة من جهة ثالثة. وهو ما يكشف عن دورة اقتصادية مثمرة.

العائق الذي يحول دون الأخذ بهذا الاتجاه في التفكير، هو أن هناك “مؤامرة” يتعين التصدي لها أولا.

ولكن، أليست هذه هي نفسها، هي المؤامرة؟

علي الصراف

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It