أهلا بالأشرار

أهلا بالأشرار

حين سألت نفسي: لماذا تضحكني أدوار الشر في السينما العربية، والمصرية تحديدا؟ وجدت أن المضحك في الأمر هو تلك السذاجة التي يقع فيها تناول الشخصية الشريرة.

فنانون وضعوا بصماتهم الخاصة

حين أديت صوت الشرير في دوبلاج أحد أفلام الكرتون، تعاطف ابني الصغير مع الشخصية التي كنت ألعبها، وصار يتمنى لها الفوز على الأخيار والطيبين في كل حلقة.

أربكني الأمر وصرت أخشى عليه من أن ينمو لديه بعض النزوع الإجرامي لا قدر الله، لكن مخاوفي سرعان ما تبددت حين أدركت أن الأمر لا يتعدى مجرد إعجاب “كرتوني” لطفل بوالده ونصرته له على الشاشة، سواء كان “ظالما أو مظلوما”.

أما السبب الذي غاب عن ذهني وراء ذاك التعاطف فهو أن الشخصية التي أديتها كانت مقتبسة عن إحدى الروايات الأجنبية ثم أنها مكتوبة بشكل احترافي يبرر كل سلوكياتها ولا يجعلها تمارس الشر لأجل الشر وحده.

أما عن أشرار الأفلام العربية فلهم ميزة خاصة وهي أنهم يثيرون الضحك أكثر من كل الأدوار التي أريد لها أن تكون كوميدية بحسب زعم صناعها من كتاب وممثلين ومخرجين ومنتجين ومروجين.

لست أدري لماذا تنتابني نوبة ضحك هستيري عندما أشاهد أفلام توفيق الذقن وعادل أدهم ومحمود المليجي وحسين الشربيني وهم يجسدون أدوار السفلة والحثالة والأوغاد.

وكذلك كانت تشدني الشخصيات النسائية الشريرة التي تؤديها كل من نجمة إبراهيم وزوزو نبيل وميمي شكيب في أدوار الحماة المتسلطة والمرأة اللعوب وزوجة الأب الظالمة وغيرها من تلك الأنماط التي تثير غيظ البسطاء من المتفرجين.

ويستحق كل واحد من هؤلاء جميعا لقب فنان كوميدي بامتياز، لا بل هم أولى وأجدر بهذا اللقب من أولئك السمجين الذين وقع تكريسهم كفكاهيين.

حين سألت نفسي: لماذا تضحكني أدوار الشر في السينما العربية، والمصرية تحديدا؟ وجدت أن المضحك في الأمر هو تلك السذاجة التي يقع فيها تناول الشخصية الشريرة، دون مجرد السؤال عن الدوافع البشرية التي جعلتها في ذاك الموقف.

هذا بالإضافة إلى تلك “الكليشة” المتمثلة في أن الشرير ينبغي أن يكون ذميم المنظر، رث الهندام، أجش الصوت، جاحظ العينين، مرتبك الحركات، ويكثر من القهقهة كلما ظن نفسه أنه انتصر على خصمه.

ولأن المخرجين والمنتجين قد حصروا صنفا معينا من الممثلين في أدوار الشر فقد استطاع هؤلاء أن يثبتوا تميزهم بنوع من الأسلوب الذي يختلفون فيه عن غيرهم فتكون لهم بصمتهم الخاصة، ولو ضمن دور نمطي مكرر.

وأثناء هذه المساحة الضيقة في الكتابة الدرامية، والتي يصعب فيها التميز، تبرز الموهبة الحقيقية لدى ممثلين أخذوا أدوار الشر نحو الكوميديا فأوجدوا لهم جمهورا خاصا ينافس أصحاب الأدوار البطولية، وذلك على نمط وحيد سيف وحسن حسني في الكثير من أدواره.

وبالعودة إلى “إعجاب الطفل بأبيه الشرير” في أفلام الكرتون، فإن الكتابة الجيدة والأداء المتقن كفيلان بالتعاطف مع الأشرار المميزين بدل الأخيار السمجين.

حكيم مرزوقي

كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه