ardanlendeelitkufaruessvtr

نون النسوة الغامض

نون النسوة الغامض

على كل واحد منا أن يكون الآخر الذي يستلهم عاطفته التي تمثل حياته الحقيقية.

غزل العيون يجري مجرى الدم في أجسادنا من غير أن يُسمّى

في واحدة من أجمل أغنيات المطرب العراقي رضا علي (1929 - 2005) هناك جملة يقول فيها “وأنت رسمت حرف النون”.

تلك أغنية كتبها واحد من أشد شعراء الأغنية العراقية رقة هو سيف الدين ولائي. الأغنية تتغزل بالعيون. ولأنها مكتوبة بالعراقية الدارجة فإن ترجمتها إلى العربية الفصحى تفقدها الكثير من جمالها. كان رضا علي هو عبدالحليم حافظ العراق.

لم يقلّده غير أنه كان مثله حشدا من الغراميات العفيفة. ابن الحي الذي يحب بغموض ابنة الجيران من غير أن يخدش بسلوكه الحياء الاجتماعي. وكان علي في الوقت نفسه ملحّنا.

انطلقت فائزة أحمد من بين يديه حين غنت “ما يكفي دمع العين” و”جيرانكم يا أهل الدار” و”أشبيك يا قلبي” وسواها. وكلها من كلمات ولائي.

ولو عدت إلى حرف النون الذي جاء ذكره في تلك الأغنية التي كُتبت من أجل التغزل بالعيون لما وجدنا له معنى سوى أنه يشير إلى الآية المقدسة “نون والقلم وما يسطرون” فهل يُعقل أن الإلهام الشعري وصل بولائي إلى درجة الربط بين “العيون التي في طرفها حور/قتلننا ثم لم يحيين قتلانا” حسب جرير وبين النون التي ورد ذكرها بغموض في القرآن الكريم؟

ولكن ما معنى أن ترسم الحبيبة حرف النون في ذلك السياق؟ لقد مرّر الشاعر جملته وغنّاها المطرب بنشوة وهام بها الكثيرون من بعده ولم يتساءل أحد عن معناها.

أعرف رساما قطريا صديقا هو علي حسن نذر حياته كلها من أجل رسم حرف النون. ربما لم يسمع علي حسن برضا علي وأغنيته. غير أنهما اشتركا في غرام حرف النون.

قبل أن يولد علي حسن كان رضا علي قد أشار إليه حين خاطبه “وأنت رسمت حرف النون” هل كانت تلك نبوءة لظهور رسام لن يجد في حياته شيئا أجمل من حرف النون؟ “عيونك أخذوني ورميوني/وعا آخر ودوني/ومن آخر دنيا جابوني”، ما قاله وديع الصافي ربما سيُفرح رضا علي حين غنى معجبا بعيون الحبيبة الوهمية “يابا يابا شلون عيون/عندك يابا”.

تلك الأغنية التي أوقعتنا في فخ حرف النون. لقد سبقنا نون النسوة إلى الأنوثة.

كان على كل واحد منا أن يكون الآخر الذي يستلهم عاطفته التي تمثل حياته الحقيقية. في لحظة ما نكتشف أننا لا نزال بشرا تتحكم بهم العاطفة. وهو ما يجب ألاّ ننساه أبدا.

نحن كائنات من دم ولحم وأيضا من عاطفة. دم العاطفة يجري في أجسادنا من غير أن يُسمّى علميا.

ربما لم يسمع الشاعر الفرنسي لويس أراغون بحرف النون العربي بالرغم من ولعه بالشعر الأموي القادم من الأندلس حين كتب ديوانه “عيون ألزا”.

وألزا هذه هي زوجته من أصول روسية التي كانت هي الأخرى كاتبة.

لقد كان ذلك الديوان واحدا من أعظم كتب الغزل التي كانت العيون مصدر إلهامها الشعري. ولو كان أراغون قد أنصت إلى رضا علي وهو يقول “وأنت رسمت حرف النون” لكتب كتابا غزليا عن غموض حرف النون.

فاروق يوسف

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It