ardanlendeelitkufaruessvtr

أزمة خس

بقلم د. هيثم الزبيدي حزيران/يونيو 08, 2022 75

أزمة خس

مشهد "الجوع" يكتسب بعض الطرافة في دول تشبع دولا أخرى خبزا من وفرة الإنتاج. أستراليا تشحن إلى العالم عشرات الملايين من أطنان القمح، لكنها تعاني من أزمة نقص الخس.

وفرة الخس في شمال أفريقيا والشرق الأوسط مُطَمئنة

كل شخص يجوع بطريقته وحسب إمكانياته وأين يعيش. قل لي إلى أي ثقافة تنتمي، أنبئك بما سيغيب عن مائدتك هذه الأيام. قل لي من أي بلد أنت، أطلعك على طبيعة الجوع الذي تعانيه. الجغرافيا لها دور كبير.

القمح أساسي في شمال أفريقيا. الخبز والكسكسي أساسيان في الوجبة الغذائية في كل الدول غرب مصر. في مصر، كما كتبنا من قبل، العيش يرتبط بـ"العيش". انظروا إلى نشاط وزراء التجارة والتموين في هذه البلدان وتصريحاتهم المطمئنة التي لا تفعل أكثر من زيادة القلق.

الأرز هو "العيش" في الخليج. دول الخليج ثرية وعدد السكان فيها قليل، لكن هذه الدول ليست بلاد العيش لمواطنيها فقط، بل للملايين من الوافدين. المسؤول الخليجي عندما يفكر في الأمن الغذائي، فإنه يفكر في لقمة المواطن والوافد معا.

في العراق وبلاد الشام (الهلال الخصيب سابقا) يجمع الناس بين الخبز والأرز. مرة أخرى الجغرافيا أسست لهذا. السهول المحاذية للجبال في شمال العراق والتي تمتد إلى سوريا وتركيا، هي حكاية الحضارة هناك التي ترتبط بحكاية زراعة الحنطة (القمح) والشعير. سنابل القمح مرسومة على جدران قصور ملوك آشور. إلى الجنوب، وعلى مدى آلاف السنين، زرع العراقيون الأرز بدرجة أولى والقمح بدرجة ثانية. أرض الرافدين هي حقل كبير من أرز العنبر. ويا أسفاه، الجغرافيا نفسها هي ما يجعل القلق يسود في العراق وبلاد الشام. الجفاف، سواء الذي ألقت به الطبيعة على بلادنا من قلة الأمطار أو ذلك الذي جاء مع تشييد السدود في تركيا وتحويل الأنهار في إيران، حوّل أرض الجزيرة إلى مراعٍ بعد أن كانت سلة خبز العراق وسوريا، وحوّل الفرات الأوسط وجنوب العراق إلى أرض ملح وبوار. يأكل العراقيون والسوريون خبزا روسيا أو أوكرانيا أو أستراليّا، وأرزّا هنديّا أو باكستانيا أو أميركيا أو تايلنديا. الأردنيون يرسلون إشارات تنبّه إلى أن القادم سيكون أصعب، والفلسطينيون علّقوا ملف الاحتلال، ويتظاهرون من أجل الخبز. صوامع الحبوب المدمرة في مرفأ بيروت تلخص حكاية الأمن الغذائي في لبنان.

أوروبا قلقة من نقص الغذاء. القلق الأوروبي مختلف لاعتبارات سياسية واقتصادية. الدول الأوروبية الكبرى لا تقلق على واردات القمح لأنها تزرع منه الكثير. الأوروبيون، رغم كل التقدم التقني والصناعي، لا يزالون فلاحين مجدّين. لكنهم متوترون بحكم نقص الأسمدة الذي ستشهده الأيام القادمة بسبب مقاطعتهم لروسيا ومقاطعة روسيا لهم؛ فـموسكو من أكبر مُصدّري الأسمدة في العالم.

الولايات المتحدة لا تتحدث عن الموضوع كثيرا، لأنها من أكثر الدول في العالم اكتفاء ذاتيا.

مشهد "الجوع" يكتسب بعض الطرافة في دول تشبع دولا أخرى خبزا من وفرة الإنتاج. أستراليا تشحن إلى العالم عشرات الملايين من أطنان القمح، لكنها تعاني من أزمة نقص الخس. محلات الوجبات السريعة صارت تخلط الخس بالملفوف وتقدمه إلى زبائنها. خدعة بصرية، لكن سرعان ما يحس بها الزبون. يسأل: ماذا حدث للخس في ساندويتش البيرغر؟ الرد: رأس الخس كان بدولارين وأصبح الآن بثمانية دولارات. لماذا؟ لأن هناك فيضانات اجتاحت مزارعه. هذا ليس عذرا كافيا؛ لماذا حقا؟ لأن الأسمدة غالية والنقل أغلى. كل الساندويتش واسكت إذًا قبل أن يختفي البصل أو المخلل منه.

وفرة الخس في شمال أفريقيا والشرق الأوسط مُطَمئنة. يختفي الخس خارج موسمه، وليس لسبب آخر.

د. هيثم الزبيدي

كاتب من العراق مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It