أميركا العائدة إلى العراق

بقلم إبراهيم الزبيدي حزيران/يونيو 08, 2022 426

أميركا العائدة إلى العراق

الأحداث المحلية والإقليمية والدولية المستجدة عجَّلت في تراجع إدارة الرئيس جو بايدن عن سياسة البال الطويل التي انتهجتها مع إيران طيلة المدة الماضية وجعلتها تعود إلى العراق بوجه مختلف وجديد.

مواقف تتغير

كل من يقول لك إن الولايات المتحدة قد ترحل عن العراق وتتركه للنظام الإيراني، بناسه وأرضه ومائه وهوائه، ليستولي على وزاراته ومؤسساته، ويُعطل إعماره ويمنع عودته إلى وضع الدولة المتحضرة الآمنة المزدهرة المتماثلة مع محيطها الإقليمي، قل له إن هذا من رابع المستحيلات.

ويبدو أن الأحداث المحلية العراقية والإقليمية والدولية المستجدة، خصوصا في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، تؤكد هذه الحقيقة. فقد عجَّلت في تراجع إدارة الرئيس جو بايدن عن سياسة البال الطويل التي انتهجتها مع إيران، طيلة المدة الماضية، وجعلتها تعود إلى العراق، ولكن بوجه مختلف وجديد.

وأول علامات هذه العودة وصول سفيرة أميركية جديدة ذات خبرة مخابراتية شرق أوسطية إلى العراق.

وكان يمكن أن يمرَّ هذا الحدث، كغيره من الأحداث المشابهة، بسلام.

لا يمكن إغفالُ أمور عديدة أخرى تتعلق بإيران حدثت كلها بتوقيت واحد إلى جانب تعيين السفيرة المخابراتية، وتجديد حالة الطوارئ في العراق، وهو ما يصعب اعتباره مصادفة

ولكن الخبر يصبح أكثر من عادي، وفيه شيء جديد، حين نتدبر تصريحها الذي دشنت به عملها الجديد، بعد تقديمها أوراقَ اعتمادها إلى الرئيس الدكتور برهم صالح، واجتماعها المطول مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، والذي أكدت فيه أن الولايات المتحدة تجدد التزامها بـ”دعم عراق آمن ومستقر ومزدهر لكل المواطنين”.

والقارئ العراقي اللبيب يدرك المعنى الذي عنته السفيرة بعبارة “لكل المواطنين”، خصوصا إذا دققنا في الخلفية المهنية والعملية والعلمية للسفيرة الجديدة المرسلة إلى العراق في وقته الحاضر العصيب.

فالسفيرة ألينا رومانوسكي قد اكتسبت خبرة معمقة في شؤون العراق والمنطقة، على مدى أربعين عاما من العمل في وكالة المخابرات الأميركية وفي وزارتي الدفاع والخارجية بصفتها خبيرة في الإرهاب، ومتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، تحديدا، إضافة إلى أنها درست في جامعة تل أبيب، وتعلمت اللغتين العبرية والعربية.

والمهم أن تعيينها جاء متزامنا مع تجديد الرئيس الأميركي قرار حالة الطوارئ في العراق، بعد أن كان مقررا أن ينتهي العمل به في الثاني والعشرين من مايو الماضي.

وفي رسالة التجديد التي بعث بها إلى رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وإلى نائبته التي ترأس مجلس الشيوخ كامالا هاريس، قال “إن العقبات التي تعترض إعادة الإعمار المنظم للعراق، واستعادة السلام والأمن في البلاد، والحفاظ عليهما، وتطوير المؤسسات السياسية والاقتصادية هناك، لا تزال تشكل تهديدا غير مألوف وغير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة”.

وهذا يعني أن الإدارة الأميركية الديمقراطية تعتبر العراق بندا وطنيا داخليا من بنود سجلها الفيدرالي، وليس كغيره من الدول الحليفة في المنطقة يكتفي الباقون من الضباط والجنود الأميركيين بتقديم الخبرة والتدريب والتأهيل لقواتها المسلحة، باسم محاربة الإرهاب.

القرار الجديد يعطي رئيس الولايات المتحدة كامل الصلاحية لحماية المصالح الأميركية في الداخل العراقي بأكمله.

كما أن هناك قرارا مهما آخر خطيرا باسم AUMF، ويعني إجازة استخدام القوة العسكرية (Authorization for Use of Military Force) ما زال فاعلا، وهو الذي استند إليه الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لغزو العراق، كما استخدمه الرئيس السابق دونالد ترامب لاغتيال قاسم سليماني ومهدي المهندس في مطار بغداد.

ولعل هذا هو الدافع الذي يجعل النظام الإيراني يتعجل الضغط على القوات الأميركية القليلة الباقية ليجبرها على الرحيل السريع من العراق، باسم السيادة الوطنية، سواء بقرارات البرلمان العراقي وهتافات نوابه الولائيين، أو بالصواريخ والمسيرات التي تطلقها الميليشياتُ العراقية الولائية ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا.

ثم، لا يمكن إغفالُ أمور عديدة أخرى تتعلق بإيران حدثت كلها بتوقيت واحد إلى جانب تعيين السفيرة المخابراتية، وتجديد حالة الطوارئ في العراق، وهو ما يصعب اعتباره مصادفة.

القارئ العراقي اللبيب يدرك المعنى الذي عنته السفيرة بعبارة “لكل المواطنين”، خصوصا إذا دققنا في الخلفية المهنية والعملية والعلمية للسفيرة الجديدة المرسلة إلى العراق

في نفس الوقت يتفق الكونغرس والبيت الأبيض على تجميد تصويت الكونغرس على إلغاء قانون AUMF، ويصدر الإعلانُ الأميركي النهائي عن إبقاء الحرس الثوري ضمن قائمة الإرهاب، ورفض رفع العقوبات المفروضة على إيران، بل إضافة عقوبات جديدة، وعودة بايدن إلى تسخين تحالفاته الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، تحديدا، ومع دول أخرى طبعت علاقاتها مع إسرائيل، وتصاعد عمليات تصفية العلماء والقادة الأمنيين والعسكريين الإيرانيين، وتزايد الانفجارات والحرائق في مؤسسات ومواقع إيرانية حيوية حساسة، والمتهمة بها إسرائيل، وإعلانُ رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت عن انتهاء “حصانة” إيران، وإعادة تأكيد التصريح الأميركي – الإسرائيلي عن الإصرار على عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وتصاعد الغليان الشعبي والتظاهرات والاعتصامات في العشرات من المدن الإيرانية التي اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي قوى الاستكبار الكافرة بتدبيرها.

وإزاء كل هذه التطورات لم نعد بحاجة إلى المزيد من التحليل والتدقيق لنفهم أن المواقف تتغير، والمصالح تتبدل وتحشر النظام الإيراني في الزاوية وتجعل لزاما عليه أن يتخذ أحد قرارين: إما الاستمرار في العناد والتصعيد والمكابرة والابتزاز والاستفزاز، والدخول في مواجهة حاسمة حازمة مع الجبهة العريضة الأميركية – العربية المعارضة لسلوكه العدواني، وتحمُّل العواقب التي لن تكون بردا وسلاما عليه بحساب القوة العسكرية والاقتصادية. أو الرضوخ للأمر الواقع الجديد، والبدء بتخفيف وجوده في العراق، وقطع تمويل الميليشيات والعصابات الإرهابية في الدول العربية، وتجميد علاقاته العسكرية والنفطية والاقتصادية مع روسيا والصين، وأخيرا عودته إلى داخل الحدود الدولية لإيران وعدم الخروج منها مجددا.

وفي الحالتين، حالة الحرب وحالة السلم، سترحل إيران الحرس الثوري وفيلق القدس عن العراق، ثم عن سوريا ولبنان، في النهاية، وتعود دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن سالمة معافاة بلا نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي ومقتدى وبشار الأسد وحسن نصرالله والحوثي، وميليشياتهم، أجمعين.

إبراهيم الزبيدي

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(2 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه