ardanlendeelitkufaruessvtr

الحياة بعد الستين

بقلم رباح آل جعفر حزيران/يونيو 22, 2022 92

الحياة بعد الستين

 

 

رباح آل جعفر

‏في رواية “الحياة جميلة يا صاحبي” للشاعر التركي ناظم حكمت تقرأ في سطرها الأخير: لقد بلغتُ الستين.. آه، لو أستطيع أن أعيش خمس سنوات أخرى!.

‏لكن الأديب الأميركي إرنست همينغواي انتحر في الستين.. ولماذا انتحر همينغواي في الستين؟ لأنه قال كل شيء ولم يعد لديه من جديد يقول. لا عادت الرواية تغريه، ولا الشهرة تغويه.

‏ونحن ما أن يبلغ الواحد منّا الستين من العمر حتى يبدأ بالتذكّر.. إنه يتحسَّر بالندامة على أيّامه الخوالي. يتغنَّى بأحلامها التي ضاعت في سحاب، ويبكي على زمانها الجميل.. ولم يكن ذلك الزمن جميلاً، ولا كانت أيامنا جميلة.

‏وشاعرنا القديم يقول: 

‏إنَّ الثـمانــيـــــنَ ، وبُـلِّغْـتَـهــا ،

‏قد أحوَجَتْ سَمعي إلى ترجمانِ

‏بمعنى أنه بلغ الثمانين من عمره فأثقلت سمعه، وخطاه، وربما ضعفت عيناه، وتعطَّلت كليتاه، وبات مستقبله في ماضيه. ولكنه تجاوزها ويتطلع بكل أمل أن يعيش العام التسعين.

‏لكنني عندما التقيت العلامة عبد الكريم بيارة المدرّس وكان عمره مائة عام. لم أجد ثقلاً في سمعه، ولا شرخاً في ذاكرته. بل وجدته منشغلاً بالتوبة في آخر أيّامه، وبآخرته عن دنياه. وتبادلنا بالنظرات ما لم تستطع أن تبوح به الألسن.

‏وفي عامه الحادي والثمانين التقيت مفكرنا الدكتور مصطفى محمود وكان في انتظار كتابه “تأملات في دنيا الله”. مصطفى أصدر 89 كتاباً بالتمام. كلها تدافع عن الإسلام. لكنه عندما بلغ الخامسة والثمانين من عمره واعتزل الناس شتموه بالباطل، وقالوا إنه ألحد. تأمَّلوا، هؤلاء الناس لا يرحمون أحداً. الحقيقة فإن الجحيم هم الناس، أو الآخرون هم الجحيم كما قال سارتر.

‏وعَجَبي أن يضيق شاعرنا زهير بن أبي سلمى بتكاليف الحياة وأهوالها بعد أن أمضى ثمانين حولاً عاشها في الجاهلية طولاً وعرضاً، وهو القائل:

‏سئمتُ تكاليفَ الحيـاة وَمَنْ يَعشْ

‏ثــمـانـيـــنَ حـولاً لا أبـاً لك يـسـأمِ

‏غريبة؟ نعم!. وإلا لماذا يسأم “شيخ الشيَّاب” وفي عصره لم يكن هنالك سبب واحد يدعوه لكل هذا السأم، أو الملل؟!. وأمَّا الصحراء فواسعة، والدنيا فسيحة، وأمَّا السماء فرحيبة. ولم تكن لديه هموم زماننا. لا صيدليات، ولا مهدّئات للأعصاب، ولا أدوية للأمراض المزمنة، ولا إنترنت، ولا نشرات أخبار أثقل من الهمّ على القلب!.

‏وهناك من يقول إن الحياة تبدأ في الأربعين، ربما في الخمسين. والأديب الإسباني سيرفانتس كتب “دون كيشوت” وهو في الخمسينات من عمره. والإنكليزي داروين كتب “أصل البشر” في الخمسين. والإمام الغزالي كتب “المنقذ من الضلال” تاركاً هوى ليلى، معتزلاً سُعدى وكان في الخمسينات هو الآخر. وعبد الرحمن بدوي كتب “سيرة حياتي” في الثمانين وكان أسوأ كتبه على الإطلاق!.

‏وعندما سُئل الفيلسوف برتراند راسل: كيف بلغت التسعين من العمر؟ قال: لم أتوقف في البحث عن السعادة.. أين هي السعادة؟!.

‏الحزن لدينا مقيم والفرح عابر. وأحسن النابغة الذبياني في قوله:

‏المـرءُ يأملُ أَن يَعيـشَ

‏وطولُ عيـشٍ قد يَضُرُّه

‏تَفنـى بَشاشَتُـهُ وَيبقـى

‏بعدَ حُلوِ العيـشِ مُـرُّه!.

‏سألتُ رجلاً في التسعين: مولانا كيف بلغت هذا العمر؟ قال: براحة البال. لا عليَّ بالدنيا إن شرَّقتْ أو غرَّبتْ. ولكن كيف؟ نعم. كيف؟. وأيةُ حياةٍ هذه الحياة؟!.

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It