ardanlendeelitkufaruessvtr

ألمانيا والغاز

بقلم علي الصراف حزيران/يونيو 24, 2022 57

ألمانيا والغاز

 

شيءٌ واحدٌ بقي صامدا في ألمانيا على طول الخط هو الإخلاص والكمال في بناء قوة اقتصادية مُحكمة تعمل مثل ماكينة لا تتوقف وما من عطلٍ يطرأ إلا ويكون قابلا للإصلاح على الفور.

شعب صنعته الأزمات

ماذا سوف يحدث لو أن روسيا قررت أن توقف كل إمدادات الغاز عن ألمانيا بعد نصف ساعة؟

يحسن النظر إلى المسألة من بعض زوايا أخرى لكي يُمكن فهم ما سوف يحصل.

الألمان شعب فيه من الاستثنائية ما يجعله يستحق أقصى الاحترام، بشرط ألا يقولوا ذلك بأنفسهم. لا حاجة لذكر السبب من وراء الشرط. فهذا تاريخ، وهم يكافحون من أجل تجاوزه، وقد تجاوزوه بالفعل، ولم تبق منه إلا جمرة ذكرياتٍ تأبى أن تنطفئ.

الألمان حتى وإن كانوا يعملون طوال حياتهم ويسددون ضرائبهم بوصفها واجبا مقدسا، فإنهم ربما كانوا الشعب الوحيد على كوكب الأرض الذي يتبرع لحكومته لكي تسدد ديونها. وهذا له معانيه. ومن أولها ثقتهم بنزاهة تلك الحكومة، كائنا مَنْ كان يحكمها. ولكن ثانيها هو أنهم يؤمنون بعمق بأن ألمانيا تستحق أن تكون قوية وأن تبقى مثالا، على الأقل بالنسبة إليهم هم أنفسهم.

الإخلاص والدقة في العمل، جزءٌ من طبيعة كل ألماني. هناك استثناءات طبعا، كما في كل مكان وكما في كل أمة، ولكن بمقدار ما يتعلق الأمر بالصفات العامة المشتركة، فإن الألماني يؤدي عمله على أكمل وجه. ينعكس ذلك بوضوح على كمال ومتانة الكثير من الصناعات. وهناك سبب لذلك. هو أن ذلك هو انطباعُ الألماني عن نفسه. ويمكنك على الفور أن تدرك كيف يقترب هذا الانطباع من المناطق الخطرة، إذا تحوّل من إنتاج المكائن إلى إنتاج السياسة. إلا أن هناك جدارا واقيا من المخاطر، باتت له أهمية خاصة، هو أن القانون صار يحظى بقدسية مماثلة. بمعنى آخر، فقد تجد “عنصريا” يتعامل معك ببرود، إلا أنه يرى القانون قبل أن تراه، فلا يتخطاه. طبعا، إلا إذا كان من أولئك الذين لا يستحقون الذكر.

بالنظر إلى الطبيعة الألمانية، فإن التوفير في كل منزل ومكتب ومعمل لن يتوقف على 10 في المئة فقط. وإذا تفاعلت جينات التاريخ مع بعضها، فإن النتيجة معروفة سلفا.

الألمان هم ثمرة حربين عالميتين مدمّرتين، تم سحق بلادهم فيهما بأكثر مما يمكن أن تفعل القنابل النووية. اذهب إلى دريسدن، لترى كيف سُحقت هذه المدينة من على وجه الأرض. ما تزال هناك بعض بقايا للمشاهدة.

ما حصل من بعد الحرب العالمية الأولى، هو أنهم أعادوا بناء بلدهم لتصبح قوة قاهرة، قبل أن تتخذ الوجهة الخطأ. وكان عنوانها الرئيسي هو الانتقام. وكانت الوحشية عنوانا صارخا إضافيا.

وما حصل من بعد الحرب العالمية الثانية، هو أنهم أعادوا بناءها على أسس جديدة، وكانت الأخلاقيات الإنسانية هي العنوان الرئيسي فيها.

هذا الانقلاب كان جذريا ليس لأنهم أدركوا المأساة فحسب، ولكن لأن منافسيهم الآخرين كفّوا عن الانتقام أيضا. بل إنهم ساعدوا الألمان في إعادة البناء، من خلال المشروع الشهير المعروف باسم “مشروع مارشال”.

شيءٌ واحدٌ بقي صامدا على طول الخط، هو الإخلاص والكمال في بناء قوة اقتصادية مُحكمة، تعمل مثل ماكينة لا تتوقف. وما من عطلٍ يطرأ إلا ويكون قابلا للإصلاح على الفور.

بطريقة ما، صار الألمان عطوفين. بعضهم إلى حد الانكسار. مشاعر الذنب قاهرة أحيانا، ويصعب التحرر منها. هذا هو السبب الذي جعلهم يعتمدون على الغاز الروسي، وأن يمنحوا موسكو ثقة مطلقة.

جانبٌ من الأمر كان بمثابة محاولة لبناء ذكرياتٍ جديدة. جانبٌ آخر كان يتعلق بالفوائد المشتركة. وحتى عندما غزت (أو استعادت) روسيا شبه جزيرة القرم في العام 2014، فإن التسامح وغض النظر كان ألمانيا بالدرجة الأولى.

خط الغاز نورد ستريم 1 الذي أنشئ في العام 2011 ظل يعمل من دون انقطاع. وفي يناير 2018 منحت ألمانيا خط نورد ستريم 2 تصريحًا للبناء والتشغيل، وتحملت ألمانيا من جرائه كل الانتقادات الأميركية.

امتدادات الكهرباء ليست مشكلة حقيقية بالنسبة إلى ألمانيا. ليس لأنها تستطيع إعادة تشغيل مفاعلاتها النووية فحسب، بل ولأن إنتاج الكهرباء من المفاعلات الفرنسية يمكنه أن يغطي النقص

لقد كان الأمر يتعلق حصرا بذلك الانكسار العاطفي حيال روسيا.

حتى التردد الألماني بتزويد أوكرانيا بالسلاح الثقيل، يعود في بعض أسبابه إلى ذلك الانكسار. وبكل تأكيد ليس بسبب الخوف على الإطلاق. ألمانيا لا تخاف. لأنها تلقت لقاحات حصانة تاريخية ضد الخوف.

تستورد ألمانيا نحو 55 في المئة من احتياجاتها للغاز من روسيا. و15 في المئة من هذا الاستيراد يذهب إلى توليد الكهرباء.

نائب المستشار ووزير الاقتصاد روبرت هايبك يقول إن التوفير في المنازل والمكاتب، يمكن أن يغطي أكثر من 10 في المئة من احتياجات الغاز. ومن قبل أن تبدأ الإمدادات بالانخفاض، كانت استعدادات “حالة الإنذار” قد صدرت لتوفير البدائل. وبالفعل صار الاتحاد الأوروبي يتلقى أكثر من 100 سفينة إمدادات بالغاز المسال كل شهر، قبل أن تجري إعادة “تغويزها” لتدخل الأنابيب التقليدية.

النرويج وهولندا اللتان تغطيان 42 في المئة من احتياجات ألمانيا للغاز رفعتا الحصة الألمانية. وامتدادات الكهرباء ليست مشكلة حقيقية بالنسبة إلى ألمانيا. ليس لأنها تستطيع إعادة تشغيل مفاعلاتها النووية فحسب، بل ولأن إنتاج الكهرباء من المفاعلات الفرنسية يمكنه أن يغطي النقص.

بالنظر إلى الطبيعة الألمانية، فإن التوفير في كل منزل ومكتب ومعمل لن يتوقف على 10 في المئة فقط. وإذا تفاعلت جينات التاريخ مع بعضها، فإن النتيجة معروفة سلفا.

ماذا سيحصل، إذن، لو أن روسيا قررت أن توقف تصدير الغاز كليا، بعد نصف ساعة من الآن؟

لن تتوقف ماكينة واحدة في ألمانيا عن الدوران. وما من منزل في ألمانيا إلا ويخفض استهلاكه من الطاقة إلى النصف أو أكثر.

الألمان شعب صنعته الأزمات.

علي الصراف

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It