ardanlendeelitkufaruessvtr

"لا" لمن يريد العودة بتونس إلى الوراء

بقلم الحبيب مباركي تموز/يوليو 23, 2022 171

"لا" لمن يريد العودة بتونس إلى الوراء

تونس تتجه نحو مسار وجب الإقرار فيه بـ"نعم" لكي تعود للدولة هيبتها خاصة بعد الأخبار المبشرة التي أقرها خبراء صندوق النقد الدولي وأكدت أن المشاورات مع تونس تسير في الاتجاه الصحيح.

فرصة التصحيح قائمة لتعود لتونس عافيتها

تدخل تونس يوم 25 يوليو الجاري مرحلة دقيقة لكنها حاسمة، حيث يتجه التونسيون للتصويت على الاستفتاء بشأن نص دستور جديد اقترحه وأشرف عليه الرئيس قيس سعيّد. الدستور الذي واجه رفضا من أطراف معارضة للإصلاحات التي أقرّها سعيد وبدأ في تنفيذها منذ 25 يوليو 2021.

هذه الأطراف، على أهميتها ووزنها في المشهد السياسي التونسي ما قبل هذه الفترة، فقدت مصداقيتها وباتت تعيش على أوهام ما بعد 11 يناير 2011 وما خلفته تلك المرحلة من انتكاسة على مختلف القطاعات ومازالت البلاد تعاني من ارتداداتها إلى حد اللحظة.

الشارع التونسي وجد في خيارات الرئيس سعيّد قشة نجاة، فخرج مناصرا، مدافعا عن ثورته التي سرقت منه بعد أن دخل عليها من يتاجر بأوهام الدين والمنكر لكل الأصوات التي تعالت يوم 13 يناير مطالبة بالعيش الكريم.

في الأثناء بدأت آلة التدجين في الالتفاف على المسار الديمقراطي وكان على الدولة أن توقف تلك الآلة، بعد أن بان بوضوح أن البلاد تسير نحو نفق مظلم. من هنا كان تدخل الرئيس سعيد ضرورة حتمية، وذلك من أجل إعادة ترتيب الأوراق وتصحيح المسار، وهي مهمة ليست باليسيرة، خاصة مع تزايد المناوئين لأيّ نفس إصلاحي يروم وضع الأسس للبناء والتنمية، والقطع مع آلة الفساد التي ضربت معظم أركان الدولة.

لا عزاء أمام التونسيين سوى قول كلمة فصل في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، وذلك لقطع الطريق على كل المتربصين بالدولة والمغالين في تعطيل المسار الديمقراطي

كثيرون شككوا في قدرة الرئيس سعيد على الذهاب بعيدا في مشروعه الإصلاحي، لكن الرجل أظهر تدبيرا وتنسيقا كبيرين من خلال التحركات التي رسمها والأشواط التي قطعها، وبدا متماسكا في لحظات القوة وفي لحظات الشدّة.

منذ لحظة الإعلان عن تجميد عمل البرلمان، وفيما بعد حله، وحل الحكومة التي كان يقودها هشام المشيشي وإعلان توليه السلطتين التنفيذية والتشريعية، رسم سعيد خيارا وحيدا لتونس كان لا بد من قطعه.

الخطوة التي وصفها مناوئو الرئيس بـ”الانقلاب”، كانت المفتاح الأساسي للولوج إلى جميع المراحل التي أتت بعدها؛ بدءا بتعيين حكومة تكون تحت سلطته وإشرافه، وليس انتهاء بتعطيل وحلّ مؤسسات نخرها سرطان الفساد وضرب أركانها وكان الجميع يطالب بحلها، ولم تجرؤ أيّ حكومة من حكومات ما بعد الثورة على القيام بتلك الخطوة.

خطوة حل المجلس الأعلى للقضاء كانت أكثر من ضرورية، لضبط الأوتار وتعطيل ماكينة الفساد واللوبيات المستفيدة من جهاز فرضته حركة النهضة في عهد الترويكا الأولى والثانية، وكانت أكبر مستفيد منه إلى وقت ليس ببعيد. آن الأوان ليستعيد هذا القطاع عافيته ويتخلص من إرث نورالدين البحيري.

ليس القضاء وحده من كان معنيا بالمحاسبة وعزل بعض الأسماء التي ثبتت عليها تهمة الفساد، أو ساهمت فيه بأيّ شكل من الأشكال، فقد طالت المحاسبة أيضا بعض النواب ورجال أعمال ممن راكموا ثروات خلال فترة وجيزة، من بينهم من تلاحقه تهم “الثراء غير الشرعي”، وآخرون سيأتي عليهم الدور لا محالة.

وحده الرئيس سعيد منْ فتح ملف المحاسبة، وبدا مصمّما على الذهاب في هذا الطريق إلى النهاية، رغم كثرة التعرجات والمطبات التي وضعت فيه تعطيلا للمسار الديمقراطي وتماشيا مع خيارات الأحزاب التي تدّعي معارضتها لخطوة الرئيس لا أكثر ولا أقل.

اختار الرئيس سعيد المواجهة على أكثر من جبهة، وكان الجميع يظن أن الوقت لا يسمح وأن ظروف البلاد لا تقتضي الذهاب في هكذا اتجاه، لكن الرئيس سعيد الذي أبدى مرونة في التعامل مع خصومه، كان في كل مرة يقلب الطاولة رافعا شعار “الشعب يريد”.

"نعم" لكل الأصوات التي تريد لهذه البلاد أن تنهض من ركام ما حلّ بها على أيدي سياسيين مراهقين لا يفكرون إلّا بخدمة مصالحهم الضيقة

توجه قيس سعيد للحديث باسم الشعب هو آلية لكسب المزيد من الأصوات المناصرة لمشروعه وأهدافه التي يجهل الكثيرون أنها لن تكون آنيّة، بل هي مشروع انتظاراته بعيدة المدى.

الاتحاد العام التونسي للشغل أراد أن يمتطي “ظهر الجواد وهو يسير”، لكن أسلوبه في المناورة فضحه. في كل مرة خرج فيها منددا ومطالبا كان يريد حوارا مفصلا على مقاسه وتحت مظلته، إلى أن وصل به الحال لتنفيذ إضراب في القطاع العمومي. لكن، على عكس ما كان يتصور، لم يجد من الرئيس سعيد سوى التغافل واللامبالاة، يعد أن تفاعل أمينه العام نورالدين الطبوبي مع خيارات الرئيس بنوع من الضبابية وعدم الوضوح، وكانت المزاجية تحكمه في كل تدخلاته المعلنة والمخفية على السواء.

اتحاد الشغل يبدو كمن لا يزال يعيش بعقلية ما قبل 25 يوليو 2021، وهو يوم فاصل في تاريخ تونس، وجب على الجميع قراءته جيدا والتدقيق في كل الخطوات التي تلته، وصولا إلى الدستور الجديد المستفتى بشأنه.

ليس الاتحاد وحده بل جميع الأصوات الرافضة لما بعد هذا التاريخ تبدو كمن يسير عكس التيار.

تونس اليوم تتجه نحو مسار وجب الإقرار فيه بـ”نعم”، لكي تعود للدولة هيبتها وتعود للاقتصاد عافيته، خاصة بعد الأخبار المبشرة التي أقرها خبراء صندوق النقد الدولي، والتي أكدت أن المشاورات مع تونس تسير بالاتجاه الصحيح.

“نعم” لكل الأصوات التي تريد لهذه البلاد أن تنهض من ركام ما حلّ بها على أيدي سياسيين مراهقين لا يفكرون إلّا بخدمة مصالحهم الضيقة.

“نعم” لإصلاح القطاعات الحيوية في البلاد من تعليم ونقل وصحة، حتى يعود للطبقة المسحوقة شعورها بالانتماء لهذا الوطن.

“نعم” ليكون هناك أمل للعيش في هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة في حجمها والكبيرة بتاريخها وجذورها العميقة.

لا عزاء أمام التونسيين سوى قول كلمة فصل في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، وذلك لقطع الطريق على كل المتربصين بالدولة والمغالين في تعطيل المسار الديمقراطي، الذي كان على الدولة أن تسلكه منذ أكثر من عشر سنوات.

فرصة التصحيح قائمة لتعود لتونس عافيتها بـ”نعم” للاستفتاء و”لا” لمن يريد العودة بالدولة إلى الوراء.

الحبيب مباركي

كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه