في سوريا لا وجود لطرف منتصر.. الجميع مهزوم

في سوريا لا وجود لطرف منتصر.. الجميع مهزوم

صحيح أن سوريا بلد للأقليات سواء كانت هذه الأقليات دينية أو عرقية ولكن بلد كان فيه اللبناني المسيحي فارس الخوري يوما رئيسا للوزراء ووزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية لا يمكن أن يكون طائفيا.

لا غالب ولا مغلوب

القاعدة الوحيدة التي لم تتغير منذ أن نشأ الكون هي أن البقاء للأقوى.. وأن السياسة خلقت من أجل الضعفاء ليحققوا جزءا من حقوقهم.

عندما تخرج من المعركة وأنت كاسر عظم خصمك عندها ترى كم أن التفاوض سهل وأنت واضع رجلك فوق الطاولة.

هذا الرسالة التي بدأ بها المسلسل السوري “كسر عظم” المشهد الأول، وهي رسالة ستبدو لمعظم الذين تابعوا المسلسل الذي أثار الكثير من الجدل، عقلانية.

عندما يذهب المنتصر مسلحا بهذه القناعة إلى طاولة المفاوضات، لن تدور برأسه سوى فكرة واحدة، أن يكسر عظم الطرف المهزوم، الطرف الضعيف. وهذا آخر ما تحتاجه سوريا وما يحتاجه السوريون بعد عشر سنوات من النزاع الذي دمر البلد وأجبر أعدادا كبيرة من السوريين على الرحيل عن منازلهم.

لا حاجة للتذكير بما آلت إليه الأوضاع في سوريا، وما آل إليه حال السوريين. الجميع يدرك التفاصيل.

اليوم، هناك فسحة أمل بعد أن أصبح الطريق معبدا للمفاوضات، وهناك حديث عن ترتيب لقاء بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. واتفاق بين موسكو وطهران وأنقرة على الحفاظ على وحدة التراب السوري وانفتاح من دول خليجية على سوريا.

في هذه الأجواء التي تبدو في الظاهر مشجعة وتبعث على التفاؤل والأمل، أعدت الاستماع إلى الكلمات التي افتتحت بها الحلقة الأولى من مسلسل “كسر عظم”. ولا أخفي أنني شعرت بالبرودة تجري في أطرافي، وأنا أعيد الاستماع لنفس الكلمات أكثر من مرة.

لقد اتسعت سوريا في الماضي للأقليات ولا شيء يمنع من أن تتسع لها مستقبلا. الطريقة التي ستتعامل بها الحكومة (المنتصرة) مع الأطراف التي وقفت في صف المعارضة على مدى عشر سنوات سترسم مستقبل سوريا والسوريين

طرحت على نفسي السؤال الذي يجب أن يطرح في هذه الحال على الطرف المنتصر، الذي يستعد للجلوس إلى طاولة المفاوضات التي يهيأ لها. هل سيذهب إلى الطاولة ليضع رجله فوقها ويتلذذ بكسر عظم خصمه الضعيف والمسلح بالقناعة الأزلية “البقاء للأقوى”؟

قناعة مثل هذه لن تفضي إلى حل، بل ستفضي إلى هزيمة تطال الطرف القوي والضعيف معا.

الرسالة التي أراد إيصالها مسلسل “كسر عظم” خاطئة مئة في المئة.

البقاء لم يكن يوما للأقوى. العبارة التي اختارها المسلسل ليصدم بها المشاهد باعتبارها حقيقة أزلية. ولا يُخْفى أنها استعارة لعبارة تنسب عادة للبريطاني تشارلز داروين، وينسبها آخرون للفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر، مع تحوير لا أعتقد  أنها بريئة أو مجرد خطأ.

داروين لم يقل البقاء للأقوى، بل قال “البقاء للأصلح”.

والأصلح ليس بالضرورة أن يكون قويا. الديناصورات التي عمّرت الأرض يوما وكانت أضخم المخلوقات انقرضت لا لسبب آخر غير ضخامتها. قوتها لم تجعل منها الأصلح للاستمرار. بينما عمّرت الأرض كائنات أضعف، ولكنها كانت الأصلح.

حسب سبنسر وداروين، قد تكون الفايروسات الكائنات الحية الأصلح للبقاء.

ما ينطبق على علم الأحياء، ينطبق أيضا على علم الاجتماع والسياسة. القوة لم تكن يوما ضمانة للاستمرار، وهي إن بولغ في استخدامها أودت إلى التهلكة.

التفاوض السهل، الذي تحدث عنه المسلسل، وأنت في موقع القوة كاسر عظم خصمك، سيقود إلى نصر أمر من الهزيمة. نصر لا يستلذه سوى الحمقى والأغبياء. قد يؤمن لهم شروط البقاء على المستوى القريب، ولكنه على المستوى البعيد سيمهد الطريق لزوالهم.

القوة إن لم تصاحبها السياسة تودي بأصحابها، لدينا أمثلة كثيرة على ذلك. وهي ليست سلاح الضعفاء لكسب حقوقهم، بل هي وهذا الأهم، سلاح يحمي به الأقوياء نَفْسَهُمْ من نَفْسِهِمْ.

القوة لا تعني الاستقواء. وإن كان هذا ينطبق على العلاقات بين الدول، فهو ينطبق أكثر على العلاقات بين الحاكم والمحكوم. القوة إن لم تخالطها السياسة تحولت إلى وصفة سريعة للانتحار.

صحيح أن القوي يستطيع إملاء شروطه، إلا أنه لن يكون قادرا على ضمان صلاحيتها واستمرارها. مفاوضات لا يكون فيها الطرفان مستعدان للإصغاء سيخرج منها الجميع خاسرا.

إن كان هذا ينطبق على الماضي، فهو ينطبق على الحاضر أكثر.

ولكن، هل يوجد اليوم في سوريا طرف قوي يستطيع أن يدعي أنه منتصر؟ بالتأكيد، لا. جميع الأطراف مهزومة.

قد ينظر البعض إلى تعدد الطوائف والأعراق في سوريا بوصفه نقطة ضعف ساهمت في تأجيج الصراع وإطالة أمده. ولكن، تكفي لحظة من التفكير لإدراك أن هذا الاستنتاج بعيد عن الحقيقية

خلال عشر سنوات تحولت سوريا إلى ساحة لصراع المصالح بين دول إقليمية وقوى كبرى تتصارع في ما بينها حفاظا على مصالحها.

اليوم، لا يوجد في سوريا ما يستوجب الاقتتال من أجله، خاصة بعد أن استيقظ العالم على تحديات كبيرة تضاءلت أمامها تحديات الماضي. العالم يبدي اليوم استعدادا لفتح طريق العودة أمام سوريا، ليس لكونها قوة لا تقهر، بل لأن الفوضى في سوريا تعيق التنمية.

صراعات الماضي وحروبه كانت مبنية على نهب الثروات، صراعات اليوم مبنية على خلق الثروات والتنمية، وهذا يتطلب تضافر جميع الجهود ومشاركة الجميع دون استثناء.

ما لم تتجاوز سوريا آلام الماضي ومآسيه، ويشكل أي اتفاق نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة داخل مكونات المجتمع السوري، لن تشكل المصالحة التي تلوح في الأفق فرصة لإنهاء المتاعب بل ستكون بداية لها، حتى وإن تحققت.

علينا أن نقتنع بأن جميع الأطراف في سوريا مهزومة، لا يوجد طرف منتصر. حتى لا يضع أي من الأطراف قدمه فوق الطاولة ويكسر عظم الأطراف الأخرى.

قد ينظر البعض إلى تعدد الطوائف والأعراق في سوريا بوصفه نقطة ضعف ساهمت في تأجيج الصراع وإطالة أمده. ولكن، تكفي لحظة من التفكير لإدراك أن هذا الاستنتاج بعيد عن الحقيقية.

صحيح أن سوريا بلد للأقليات، سواء كانت هذه الأقليات دينية أو عرقية. ولكن البلد الذي خبر العيش مئات السنين مع هذا التنوع والاختلاف لم يكن بلدا طائفيا على الإطلاق. بلد كان فيه اللبناني المسيحي فارس الخوري يوما رئيسا للوزراء ووزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية لا يمكن أن يكون طائفيا على الإطلاق.

بلد بين أبطاله البارزين جول جمال وصالح العلي وسلطان باشا الأطرش، أكبر من أن يُتّهم بالطائفية.

لقد اتسعت سوريا في الماضي للأقليات ولا شيء يمنع من أن تتسع لها مستقبلا. الطريقة التي ستتعامل بها الحكومة (المنتصرة) مع الأطراف التي وقفت في صف المعارضة على مدى عشر سنوات سترسم مستقبل سوريا والسوريين.

وإلى أن يتأكد كلا الطرفين (الحكومة والمعارضة) من حقيقة ضعفهما وهزيمتهما ويقبلان بمبدأ لا غالب ولا مغلوب سيكون من المبكر تبادل التهنئة.

علي قاسم

كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه