ardanlendeelitkufaruessvtr

"اوع الزيت"

بقلم حكيم مرزوقي أيلول/سبتمبر 07, 2022 78

"اوع الزيت"

عملية "تسخين البايت" وعدم القدرة على الإتيان بالطازج والجديد هي السلوك المعتاد في المجتمعات اليائسة والفاقدة للنشاط والحيوية.

أسعار قادمة من ”الزمن الجميل"

يتداول التونسيون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا من تقرير أعدته القناة الرسمية للتلفزيون تظهر فيه أسعار الفواكه بأرخص ما يمكن أن يتخيله المواطن المكتوي بالغلاء الفاحش. وتضمنت تلك الصور تعليقات تنصح الناس بشراء الفواكه من مبنى التلفزيون الحالي الذي كان يُعد ليكون المقر الجديد لجامعة الدول العربية قبل انتقالها إلى القاهرة.

الأسعار بالتأكيد قادمة من ثمانينات وتسعينات القرن الماضي أو ما باتت غالبية من التونسيين تسميه بـ”الزمن الجميل”، لكنّ خطأ شنيعا في الأرشفة وآخر فظيعا في الرقابة، جعل من الأمر فضيحة لا تغتفر.

حالة التراخي هذه وغياب الانضباط والمسؤولية ينمان عن كسل مزمن يصيب الفرد وأجهزة الدولة، وينذر بحالة شلل دائم يقضي على كل حالة إبداع وتجديد.

وهكذا أصبحت عملية “تسخين البايت” وعدم القدرة على الإتيان بالطازج والجديد هي السلوك المعتاد في المجتمعات اليائسة والفاقدة للنشاط والحيوية.

التمسك بتلك الأسعار المغرية ورفض الاستيقاظ على صدمة الواقع ينطبق على كل شيء، من القوانين الإدارية المعمول بها منذ حمورابي، إلى المناهج المدرسية التي تضمنت إحدى الدروس في كتاب الرياضيات الموجه للابتدائي المسألة الحسابية التالية: راتب أبي 100 دينار، اشترى غسالة بـ50 دينارا وفرن غاز بـ30 دينارا فكم بقي من راتب أبي؟

ومهما كانت الصورة الكاريكاتيرية لموضوع التمسك بمعطيات أكل عليها الدهر وشرب، إلا أن واقع الجمود والتحجر بقي على حاله.

وفي هذا الصدد، سأحدثكم عن قصة مثل دمشقي قديم يقول “اوع الزيت” أي احذر الزيت.

القصة تبدأ من عزم إحدى مؤسسات القطاع العام طلاء جدران المبنى، وكان من الطبيعي أن يقع تحذير المراجعين من آثار زيوت الطلاء على ثيابهم فأمرت الإدارة - مشكورة - الآذن (الشاويش) بتعليق أوراق تنبيهية في الممرات كتبت عليها عبارة “اوع الزيت” التحذيرية.. وحصل الأمر بمنتهى الدقة والانضباط.

مرت أيام وتغير المدير ووقع تناسي القرار الذي اتخذوه بشأن الطلاء.. وبقيت عبارة “اوع الزيت” ثابتة على الجدران، وظل المراجعون إلى يومنا هذا، يحذرون الزيت ويحاولون عدم الالتصاق بجدران المبنى حرصا على نظافة ثيابهم.. وبقي الناس يترحمون على المدير الذي كان قد نبههم لضرورة أخذ الحيطة والحذر.

وبالعودة إلى الأسعار “الخيالية” في رمزيتها للفواكه على شاشة القناة التونسية، فإن السؤال يكمن في كيفية عدم تنبه جيش كبير من المعدين والمراقبين والتقنيين التلفزيونيين لما يبث في التقرير المصور أم أن “الحنين إلى الزمن الجميل” جعلنا نغض البصر ونستطعم الأرقام وحدها بدل التفاح والعنب والتين.

أما عن “راتب أبي” الذي اشترى منه غسالة وفرن غاز في الكتاب المدرسي، فإنه اليوم عاجز على شراء بعض الدفاتر والأقلام لحل تلك المعادلة التعجيزية.. المهم أن نحذر الطلاء ونردد سويا “أوع الزيت”.

حكيم مرزوقي

كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه