ardanlendeelitkufaruessvtr

شولتس في السعودية: جثة على طاولة النفط والغاز

بقلم علي الصراف أيلول/سبتمبر 22, 2022 62

شولتس في السعودية: جثة على طاولة النفط والغاز

التعامل مع قضايا حقوق الإنسان كاضطراب ذهني لا يخدمها والتعامل معها كهدف من أهداف الانتهازية السياسية يضر بها وممارستها كموضوع للتعالي العنصري تجعل من حقوق الإنسان سلعة تبادلات عنصرية مقلقة.

لا شيء معقدا في قضايا النفط والغاز

القبول بفكرة أن “المصالح مصالح، وهي التي تحكم العلاقات بين الدول” يفترض أن يكون كافيا للتخلي عن تحميلها أعباء غير ذات صلة.

المستشار الألماني أولاف شولتس معروف لماذا يريد التوجه إلى السعودية والإمارات وقطر. معروف كل ما يسعى له. ولهذا المسعى أطر واضحة للتفاهمات، على حدود الطاقة الإنتاجية والأسعار والمدد الزمنية للتعاقدات. لا شيء معقدا في قضايا النفط والغاز. علاقات السوق لا تنطوي على أحاجي أو ألغاز. والتعاقدات بين الدول يمكن أن تنطوي على مساومات متبادلة، واستثمارات وتجارة تفتح آفاقا لبناء شراكات أوسع. لا شيء هنا غامضا، أو يستحق الجدل. إنها علاقات مصالح، أرست جبالا من التقاليد والقواعد والتعاقدات ما يجعل كل شيء فيها صافيا صفو الماء، بما في ذلك الخلاف نفسه.

ولكن يشاء القادة الغربيون أن يعكروا صفو الماء، بالخوض في قضايا ثانوية، تتعلق بحقوق الإنسان، أو حتى بنبش القبور، مما كان يفترض بحسن الأداء، أن تخصص له لقاءات مستقلة لا ترتبط بقضايا المصالح، أو بالتبادلات التجارية.

عندما توضع جثة خاشقجي، مرة أخرى، على طاولة أي نقاش، سوف يتوفر ذلك المقام. فنضع معضلة العلاقة الغربية الملتبسة مع النظافة، على طاولة النقاش

تذهب إلى بائع لتشتري منه بضاعة ما، فإذا بك تتحدث معه عن واحد من أبنائه أو عن علاقاته بأحد جيرانه، قبل التفاوض على السعر. ليتضح أنك إما تعاني من اضطراب ذهني، يجعلك عاجزا عن التركيز عما جئت من أجله، أو أنك تحاول الابتزاز أو المساومة بما لا تصلح المساومة فيه.

المتحدث باسم شولتس قال إن “جريمة قتل خاشقجي ستحتل بالتأكيد حيزا من المناقشات”.

الجواب المعقول هو: ما علاقة هذا بذاك؟ وإذا كنت تريد أن تقيم علاقة قسرا، فمن الخير ألا تأتي. وإذا وجدت نفسك مضطرا للمجيء فمن الخير لأهداف الزيارة ألا تثير قضايا لا علاقة لها بالموضوع.

بعض المحررين الظرفاء وضعوا على خبر الزيارة عنوانا يقول “خاشقجي على جدول أعمال شولتس في السعودية”. والإيحاء إنما يقصد أن جثة خاشقجي سوف توضع على طاولة المباحثات من أجل النفط والغاز.

تحتاج إلى مخيلة سوريالية لكي تمتلك القدرة على خوض النقاش بحضور جثث. وسلفادور دالي يجب أن يكون هو مستشارك الخاص، لكي تخرج باتفاق تتعاقد فيه على شراء كميات من الأكفان.

شيءٌ مخجلٌ، في الحقيقة، ويفوق أي قدرة على استيعاب المنطق الذي يقف وراءه.

شولتس، كما الرئيس جو بايدن عندما جاء إلى قمة الرياض، يبدو عاقلا، ومستقرا، ومتوازنا، ولكن من الناحية الظاهرية فقط، ولكنه سوريالي التصورات

الحقائق التي لا سبيل إلى نكرانها، هي التالية:

أولا، مواضيع الجثث وحقوق الإنسان، تؤدي بالفعل، كما تدل الشواهد، أغراضا تجارية. وهو ما يكشف أنها تبدأ من مستويات أخلاقية منخفضة، على عكس ما تدعيه تماما.

ثانيا، إنها مستويات لا تحترم الجثث، ولا تخدم الأغراض.

ثالثا، إنها مخادعات للتعالي العنصري، تقصد القول “نحن أرقى وأفضل وأعلى مكانا من الناحية الإنسانية”.

رابعا، إنها تقال لأغراض دعائية صرفة. بمعنى أنها تقال لأجل التسويق السياسي المحلي، من دون أن تُطرح. أي أن الجثث لن تكون حاضرة على طاولة النقاش بالفعل.

خامسا، إنها قيد يقيد بها “الأرقى والأفضل” نفسه عندما يكون قادرا عليه، وينزعه عندما يكون في حاجة إلى خلعه، وهو ما يكشف عن طبائع انتهازية مذهلة في قدرتها على التقلب.

كل هذه العناصر تؤكد شيئا واحدا هو أنها اضطراب ذهني. شولتس، كما الرئيس جو بايدن عندما جاء إلى قمة الرياض، يبدو عاقلا، ومستقرا، ومتوازنا، ولكن من الناحية الظاهرية فقط، ولكنه سوريالي التصورات.

الانشغال بقضايا حقوق الإنسان مشروع تماما. وفي الواقع، فإن البشرية تكون في حال أفضل كلما تحولت قضايا حقوق الإنسان إلى موضوع مثير للاهتمام. ولو لم يكن ذلك كذلك، لكانت المآسي الإنسانية قد تحولت إلى سيل يجرف الملايين من البشر والكثير من الآلام والعذابات.

ولكن: لكل مقام مقال.

عندما تقع مؤسسة أمنية في خطأ، أو ترتكب جريمة، فإن إدانتها وتصويب مسالكها، أمر مطلوب. وهو ما فعلته السعودية، بل إنها فعلت أكثر بكثير من المطلوب، عندما حاكمت مرتكبي الجريمة، وجردت عددا من كبار المسؤولين من مناصبهم، وهو ما لم تفعله الولايات المتحدة حيال العديد من الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها ضباطها، وكبار مسؤوليها، ووزراؤها، في غير مناسبة واحدة. والدماء ما تزال تسيل على جدران سجن أبوغريب في العراق. وصرخات المعذبين ما تزال تصدح. هم إذا شاؤوا النسيان، فنحن لم ننس، ولم نغفر، لأن الحق لم يتم إحقاقه بعد.

المستشار الألماني أولاف شولتس معروف لماذا يريد التوجه إلى السعودية والإمارات وقطر. معروف كل ما يسعى له. ولهذا المسعى أطر واضحة للتفاهمات

لقد سعت السعودية لإحقاق الحق بكل ما هو معقول ومتناسب. والأهم منه، هو أن تلك الجريمة لم تكن نمطا من الأساس. كما أنها بقيت حادثا فرديا، معزولا. ما يملي على المنطق أن يكف الجميع عن مواصلة وضعها على طاولة أي نقاش. إنها لا تستحق النقاش لأنها لم تعد موضوعا جديرا بالنقاش من الأساس.

لا يعني ذلك أن قضايا حقوق الإنسان نفسها ليست جديرة بالنقاش. على العكس تماما. ولكن ليس على طاولة نفط وغاز.

التعامل مع قضايا حقوق الإنسان كاضطراب ذهني لا يخدمها. والتعامل معها كهدف من أهداف الانتهازية السياسية يضر بها. وممارستها كموضوع للتعالي العنصري تجعل منها سلعة تبادلات عنصرية مقلقة، لأنها في النهاية، تجيز لنا القول نحن الأرقى والأفضل؛ تجيز لنا القول إنكم أيها المتحضرون الغربيون، لم تعرفوا الصابون إلا قبل قرنين من الزمان، وما تزالون إلى يوم الناس هذا أقل نظافة في أجسادكم مما توحي به المظاهر.

هذا النمط من السباق المتعالي ضار بالعلاقات الإنسانية وبتقدمها. صحيح أننا لم ننجح في أن نضع نظافة الأجساد على طاولة أي مفاوضات، ولكن جدير بنا أن نحاول، عندما يتوفر المقام.

عندما توضع جثة خاشقجي، مرة أخرى، على طاولة أي نقاش، سوف يتوفر ذلك المقام. فنضع معضلة العلاقة الغربية الملتبسة مع النظافة، على طاولة النقاش. فينسى المستشار شولتس ما جاء من أجله. وننسى، ويكون اللقاء متعة مباراة سوريالية، لا صلة لها بالمصالح ولا بالعلاقات بين الدول.

علي الصراف

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه