تحقيق صحفي يثير ضجة

بقلم محسن حسين أيلول/سبتمبر 25, 2022 246

تحقيق صحفي يثير ضجة

 

محسن حسين

 

عندما بدأت العمل في الصحافة في الخمسينيات لم يكن التحقيق الصحفي معروفا في الصحافة العراقية كما هو الحال الآن.كنا أبناء ذلك الجيل من الصحفيين قد تأثرنا كثيرا بالصحافة المصرية، وكانت تصلنا شتى الصحف مثل الأهرام والأخبار وكذلك المجلات مثل آخر ساعة والجيل والكواكب والاثنين وروز اليوسف.

وبدأت محاولات هنا وهناك لكتابة تحقيقات صحفية على غرار ما تنشره الصحافة المصرية من حيث الأسلوب أو أفكار التحقيقات.وكما تفعل الصحافة المصرية فقد بدأت صحافتنا بالاهتمام بالصورة إلى جانب ما يكتبه محررو التحقيقات الصحفية. وكانت صحيفة الشعب لصاحبها يحيى قاسم أول صحيفة تنشئ أستوديو لتحميض الأفلام وطبعها داخل مبنى الصحيفة في محلة (السنك) وتعين مصورا خاصا بها هو الصديق المرحوم الفنان حازم باك.

كانت هذه الخطوة حافزا لنا لتقليد الصحافة المصرية في كتابة التحقيقات المصورة. وبالفعل فقد قمت بنشر الكثير من هذه التحقيقات في صحيفة الشعب وملحقها الأسبوعي (الأسبوع) في الفترة من منتصف عام  1956 حتى إغلاق الصحيفة بعد ثورة  14 تموز 1958. وكنا نلقى التشجيع من رئيس التحرير ومن زملائنا الأقدم منا العاملين في الصحيفة والمجلة ومنهم حافظ القباني ومحمد حامد وبدر شاكر السياب ومنير رزوق وحميد رشيد. كما برز اخرون في هذا الميدان بينهم غازي العياش في جريدة البلاد.

في تلك الفترة كتبت ذلك التحقيق الصحفي الذي لا أنساه وكان عن طالبات دار المعلمين العالية (التي سميت فيما بعد كلية التربية). وكانت فكرة التحقيق استطلاع أراء عدد من الطالبات بزملائهن الطلاب ورأي كل طالبة عما تفعله لو وجدت في أحد كتبها رسالة غرامية من زميل لها في الدار!

ذهبت إلى دار المعلمين العالية ومعي زميلي المصور حازم باك وهناك التقيت عن طريق المذيعة المعروفة فيما بعد والطالبة في الدار (عربية توفيق لازم) بأربع طالبات أذكر من بينهن (شهرزاد) بنت الأديب والقاص المعروف (ذو النون أيوب)، وكانت أكثرهن جرأة في انتقاد الطلاب، ومن بين ما قالته عما تفعله لو وجدت رسالة غرامية من أحد الطلاب إنها ستذهب إليه وتنتقده على ما فعل وتخبره إنه كان عليه أن يفاتحها مباشرة لأنها تتمتع بالحرية الكافية بما في ذلك مقابلة زملائها وأصدقائها في بيتها!

وما أن نشر التحقيق في صحيفة الشعب يوم 31/1/1958  وتحت عنوان (معلمات المستقبل ثائرات) حتى حدث هيجان في الدار وأخذ الطلاب يهاجمون الطالبات المشتركات في التحقيق وغيرهن بمختلف الطرق بما في ذلك إسماعهن الكلمات البذيئة وأدى ذلك إلى إيقاف الدوام في الدار مدة ثلاثة أيام.وقد أثارت الطلاب عبارات للطالبات مثل (إن سلوك الطلاب من الزميلات سيئ والطلاب لا يستحقون المخالطة لأنهم على العموم غير مثقفين ويسيئون السلوك باختلاطهم).ومن العبارات التي أثارت الطلاب قول (شهرزاد) إنها تكره الكلية وتكره كل طلابها وأنهم (غير حلوين).وبعد نشر التحقيق وردتني عدة تعقيبات ومقالات وردود من طلبة وأساتذة نشرنا بعضها ومازلت احتفظ بعدد منها رغم مرور أكثر من نصف قرن.وقد بذل عميد الدار الدكتور محمد ناصر (الذي أصبح وزيرا في الستينات) جهودا كبيرة لإعادة النظام ومتابعة الدراسة.

بعد يومين جاءني والد شهرزاد الأستاذ ذوالنون أيوب ومعه ابنته شهرزاد نفسها وهي تحمل توضيحا واعتذارا لما بدر منها وأظن ان والدها هو الذي كتب ذلك الاعتذار، ومما جاء فيه ان إجاباتها (كانت مستعجلة وفورية كأنها في ساحة امتحان)، وقالت شهرزاد (ان الإنسان في هذه الظروف عندما يقول انه يكره الكلية فهو يعني ان الكلية لا تريحه من جميع الوجوه وفيها متعبات ومنغصات، وحين يقول انه يكره كل الطلاب يعني طبعا انه لا يرتاح الى مضايقات الطلاب وعدم تقديرهم لإحساس رفيقاتهم الطالبات والكل يعني البعض او الأغلب في الكلام الجاري الاعتيادي ولست من الكاتبات لكي ازن كلامي بالمثقال، ومهما كان الأمر فقد سببت هذه الغلطة اطلاعي على اني كنت مخطئة بعض الشيء).وختمت اعتذارها قائلة (اني امد يدي لمن يصافحني واعتذر له ان كنت قد اسأت اليه) !

وخلال أسبوعين نشرنا الكثير من الردود والتعقيبات من أساتذة الجامعة وطلاب الجامعة وبعض الكتاب والصحفيين واعتقد ان سبب الضجة  يعود إلى أن الناس في تلك الفترة لم يعتادوا على مثل هذه الآراء التي تبدو الآن اعتيادية.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه