ardanlendeelitkufaruessvtr

الغزي بين الأحرار والشهداء

بقلم كرم نعمة أيلول/سبتمبر 26, 2022 91

الغزي بين الأحرار والشهداء

هذا الشاعر الذي ضاع في بغداد وعجز أن يعود إلى أمه في الناصرية، وصل أساه إلى ضفاف خليج عمان وبحر العرب!

ما بقي من جبار الغزي العشرات من الأغاني وصور نادرة جدا

أوجعتني يا كرم وأنت تستعيد أوجاع الجسور، لكن كيف لك أن تنسى أين استولى الموت على جبار الغزي، هل ضاعت من ذاكرتك بعد كل تلك سنين الاغتراب المسافة بين جسري الأحرار والشهداء.

كان الموسيقار جعفر الخفاف يعاتبني على خطأ ذِكرْ أن الشاعر الراحل جبار الغزي وجد ميتا تحت جسر الشهداء، في مقالي المنشور الأسبوع الماضي.

قال لي الخفاف “كان لا يصل إلا قليلا إلى جسر الشهداء، فالمسافة وإن قصرت بين الجسرين، فهو أقرب إلى حانة شريف وحداد تحت جسر الأحرار منه إلى الشهداء”.

لو تخيل القارئ المسافة بين الجسرين على نهر دجلة فهي مسيرة دقائق لا أكثر. والخفاف يُصلح لي المعلومة هنا، متأسيا على ذكرى جبار الغزي، الشاعر الذي عاش بائسا بينما توجت قصائده في أثمن قلائد الغناء العراقي.

لم أر الغزي في حياتي، إلا مرة واحدة بالمصادفة، وقف يثرثر مخمورا عن إهماله من قبل الآخرين وعدم تقدير أهميته الشعرية، من دون أن يعرف وهو يوجه كلامه أيا من المحيطين به وكنا ثلاثة أشخاص.

ذكّرته آنذاك بأغنيته الشهيرة “يقولون غني بفرح” فرد عليّ بنشوة المخمور بأن قحطان العطار يدين له بأكثر من تلك الأغنية وأكثر مما يمكن تصوره، لكنه مثل غيره تناسى! كان يفكر حينها أين ينام تلك الليلة. تركنا بعدها حائرا، بينما لا يغادر ذاكراتي ذلك اللقاء الوحيد كلما مرت أمامي أغنية كتبها الغزي، وما أكثرها!

بعد أكثر من أربعين عاما التقيت الشاعر العماني زاهر الغافري في مسقط، وإذا بذاكرته تتدفق عن سنواته التي قضاها في بغداد في سبعينات القرن الماضي، وكان لا يخلو من لياليها جبار الغزي.

فهذا الشاعر الذي ضاع في بغداد وعجز أن يعود إلى أمه في الناصرية، وصل أساه إلى ضفاف خليج عمان وبحر العرب!

أنا مثل غيري بمن فيهم العماني الغافري لا أتذكر الغزي، إلا والأوجاع والغربة والتساؤل ترافق ذلك الاستذكار، فحياته البائسة وموته الدرامي تحت جسر الأحرار، أنستنا جميعا الإشراق الشعري الكامن في قصائده.

صحيح أن الغزي بلا أسراركما وصفه الفنان حسين نعمة، لكن كل من كتب عنه تناسى شعره تحت وطأة بؤس حياته ودرامية موته عام 1984. ومن ثم الأساطير التي بنيت على أغانيه تحت حاجة التزييف السياسي الذي يبرع فيه بعض العراقيين، وكأنه حقائق لا تقبل الدحض.

واحدة من أروع مسرات الغزي على ندرتها ما كتبه من أغاني الغزل للفنان فاضل عواد، نكتشف فيها أن هذا الشاعر الضائع، عاشق وأسعد ما فيه التغزل بعيون حبيبته.

روى لي الفنان فاضل عواد قصة أغنية “على الحواجب” عندما كان يشكو للغزي إعجابه بفتاة يترقب مرورها أمام المقهى. انتظر الغزي ظهور العراقية الجميلة وشعرها المسدل على كتفيها يسبقها، فكتب “عل الحواجب يلعب الشعر الحرير/ وأنا بين العين والحاجب أسير”، وصنع منها الموسيقار الراحل حميد البصري ترنيمة عشق لا تنسى.

هل يمكن لعاشق عراقي إلا أن يذوب ولهاً وهو يستمع إلى أغنية “عيني يم عيون تضحك” فالغزي وحده من جعل عيون حبيبته تضحك! فيما كانت موسيقى الراحل عبدالحسين السماوي تجعل منها علامة تعبيرية ثمينة في صوت فاضل عواد.

هناك قائمة غنائية تركها الغزي بصوت فاضل عواد “كرخ ورصافة” “هلا بك” ” يلناسينا” جميعها تكشف الجانب المشرق في شعر الغزي، حيث أستذكرهُ مصححا معلومة صغيرة في مقالي الأسبوع الماضي لفتت انتباه الموسيقار الخفاف، بعد أن خذلت ذاكرتي!

كرم نعمة

كاتب عراقي مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه