ardanlendeelitkufaruessvtr

أشجار الوهم

بقلم إبراهيم الجبين أيلول/سبتمبر 30, 2022 84

أشجار الوهم

لم يتبق من الوقت إلا القليل قبل أن نرى عالمًا جديدًا، لا يستطيع فيه شجر ولا حجر صنع وهم جديد، والحقائق تقولها الأرقام وحدها.

كل الإنجازات عرضة للمحو

في مارس الماضي قرأت بحثًا علميًّا يفيد بأن الأشجار لها دور بارز في تقليل الإحساس بالاكتئاب لدى البشر، وأن هناك ارتباطًا بين الموجات الخضراء المحيطة بنا وبقية العوامل المؤثرة علينا.

لاحظ المعلومة؛ لم يعد أحد يسأل هل الاكتئاب موجود أم لا؟ بل صرنا نعتبره ظاهرة عامة لا نقاش فيها، وبتنا نبحث عن عوامل تخفف منه أو تجعلنا قادرين على التكيّف معه.

ما فعله فريق مركز هيلمهولتز للبحوث البيئية والمركز الألماني لبحوث التنوع الحيوي التكاملية وجامعة لايبزيغ، بعد أن شكلوا جميعًا منتخبًا من العلماء متعددي التخصصات، هو تتبع الوصفات الطبية المضادة للاكتئاب من أجل معرفة ما إذا كان نوع معين من أشجار الشوارع يمكن أن يؤثر بشكل إيجابي على الصحة النفسية.

أُجريَ الاختبار على عشرة آلاف شخص في لايبزيغ، حيث خضعوا للتجربة التي خلصت إلى أن عدد أشجار الشوارع ومسافات ابتعادها عن هؤلاء الأشخاص عاملان مؤثران جداً في حياة البشر؛ إذ يتحكمان حتى في توازن العمل ووظائف الجسم ووزنه والعمر.

لكن ليس هذا فقط ما فعلوه، بل درسوا أيضًا حالتك فيما إذا كنت تتناول مضادات اكتئاب، وتسكن على بعد 100 متر عن الشجر، ماذا سيحصل حينها؟

ستساعدك الأشجار على التخلص من مضار مضادات الاكتئاب، وتجعلك أكثر حصانة ضدّ سلبياتها الكثيرة.

كما ستوهمك الأشجار بأنه لا يوجد تمييز ضدك فهي للكل، وبالتالي سوف تنسى أنه لا توجد عدالة اجتماعية وطبقات اقتصادية في المجتمع.

ميليسا مارسيلي، الأخصائية النفسية البيئية وأبرز الذين أنجزوا التجربة، تقول إن “أشجار الشوارع يسهل زرعها نسبيًّا، ويمكن زيادة عددها من دون بذل جهد كبير في التخطيط”.

الأوروبيون، ورغم اقتراب أفول شمس القارة بعد فضيحة التخطيط السيئ للطاقة والاعتماد الكلي على الجار الروسي، لا يزالون يعتقدون أنهم بالبحوث الناعمة يمكنهم التفوق على الحضارات والاستمرار بالعيش على أطلال المجد الاستعماري المطوي طي الكتاب.

وفي الوقت الذي يجدون فيه أنفسهم أمام خطر الزوال الحقيقي من معادلة القوى الاقتصادية والعسكرية حول العالم، يتناسون أن كل شيء قدموه للبشرية عرضة للمحو الآن، بما في ذلك الديمقراطية التي يتفاخرون بها. هل يعقل مثل هذا: الأشجار يمكنها أن توهمك بالعدالة الاجتماعية؟

ألا يقوم الأوروبيون اليوم بتأميم الشركات الكبرى المنتجة للطاقة؟ لو حدث هذا قبل خمسين عاماً لتم اتهام الحكومات بخيانة الرأسمالية.

لم يتبق من الوقت إلا القليل قبل أن نرى عالمًا جديدًا، لا يستطيع فيه شجر ولا حجر صنع وهم جديد، والحقائق تقولها الأرقام وحدها. وصدق أحمد شوقي بك حين قال “وَهمٌ يُقَيِّدُ بَعضُهُم بَعضًا بِهِ، وَقُيودُ هَذا العالَمِ الأَوهامُ”.

إبراهيم الجبين

كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه