(شربت الحاج زبالة) وتمثلاته الدالة

بقلم علي حداد تموز/يوليو 20, 2024 323

(شربت الحاج زبالة) وتمثلاته الدالة

علي حداد

منذ أكثر من خمسين سنة وأنت كلما دلفت (شارع الرشيد) من جهة (ساحة الميدان) ، وقطعت قليلاً من الخطى فيه ، جلبت انتباهك ثنائيات من الأمكنة والمسميات والوقائع تتراتب على يمين الشارع وشماله ، ثنائيات تكاشفك بما يثير تلقيك من تناقض بين محتواها المعلن ومخبوئها المضمر. فعلى يسارك يقع (جامع الحيدرخانة) بطرازه المعماري اللافت القدم ، وصوت مؤذنه الذي يمتد منساب التردد في فضاء شارع الرشيد وانحناءات (درابينه) وأزقته . وسوف تخبرك الوقائع أن زاوية من بيت العبادة هذا هي من شهد تأسيس أول خلية ماركسية في العراق ضمت مجموعة من الشباب يترأسهم (حسين الرحال) ابن إمام هذا الجامع أو مؤذنه.

وحين تلتفت يميناً بعد خطوات أخرى ستناديك لافتة معلقة على واجهة محل صغير تقول : (شربت الحاج زبالة) ، ستتذكر أنك اندهشت يوم قرأتها أول مرة : (شربت وزبالة) كيف يستقيم المعنى ؟ّ!.

عيوم الحاسدين

وستعرف بعد رحيل كثير من سنوات العمر أن في المسمى نسقاً مضمراً من الاعتقاد الشعبي ، فأمّ مؤسس محل الشربت هذا لم تأبه لاسم (عبد الغفور) الذي تخيّره الأب لوليده ، فذهبت ـ وهي التي لم تكن ـ كما يروى ـ ممن يعيش لها أبناء ـ لأدنى ما يمكن الالتجاء إليه من تسمية لوليدها ، تحتمي بها ، لتخبئه من يد قدرية أخذت سبعة أبناء سابقين له . لقد رضيت باسم (زبالة) ملاذا تبعد به ـ على ما تظن ـ عيون الحاسدات والحاسدين عن وليدها منشغلين بدلالة متدنية التوصيف يعرفون مقاصدها ، ولم بخطر ببال تلك السيدة المتأسية أن هذا المسمى سيستحيل علامة تجارية لامثيل لها في تميزها وشهرتها ، والطعم الحلو الذي يندّ حين يتلقى المار من هناك ذلك الاسم مقروناً بمفردة (الشربت) الذي ما كان له أن ينال من الشهرة وشيوع الذكر لو وضع عليه المسمى الرسمي لذلك الأبن ، أعني (عبد الغفور).

ففي محمول الاسم (زبالة) ما يشتغل تضاده بحيوية دالة ، فيخلق عند المتلقي الرغبة التي تأخذ به نحو المنتج المسمى (الشربت) ليعاينه بالفعل لا بالقول والسماع وحدهما.

حسناً … دعك من المسمى ، ولتدلف إلى داخل المحل الذي تلفت انتباهك محدودية مساحته تلك التي ستتناسى أمرها لاحقاً ، حين يدهمك اتساع التاريخ ـ تاريخ هذا المحل وتاريخ العراق الذي احتشدت مضامينه في صور لمعالم ولشخصيات العراق بارزة الأدوار ، وفي شتى مجالات المتحقق السياسي والثقافي والاجتماعي العراقي الحديث.

هكذا… يأخذ (شريت الحاج زبالة ) مجمل حواسك لتصغي لتفوهات المكان وما ضمه من (ري) متعدد التأثير ، فأنت تستمتع بما تنهله من مذاق الشربت ، ويناديك ما عُلق على الجدران إلى اشتغالات بصرية لا ينقطع مددها ، ولن تكون أذناك بمنأى عن (اشتغال سمعي) بما يتردد من تعليقات الشاربين حولك عن هذا التاريخ الناطقة صوره ، وجدلهم في بعض وقائعه وشخصياته.

وسوف تدهمك الثنائيات مرة ثانية ، حين تستعلم عن مصدر الزبيب المستخدم فيجيئك الجواب أن غالبه يأتي من شمال العراق. فتحمد لهذا (الشربت) أنه يوحد أبناء الوطن على طريقته الخاصة .

ولن يطول بك الوقوف حتى تتلقى ثنائية جديدة عن زمنين يخاطبان تأملك ـ ماض وحاضرـ فغالب الصور التي هيمنت على لون جدران المحل هي بالأبيض والأسود ، لتحكي نزعة التأصيل التي تبنتها عائلة (الحاج زبالة) أو ـ إن شئت ـ (عبد الغفور). لقد حافظ الورثة على المحل ، وأبقوه على حاله ، وفي موقعه الأصلي منذ أن انتقل إليه أبوهم من كرخ بغداد إلى رصافتها .

تخطي السنوات

ولك أن تتساءل : ألم يكن بمقدور الأبناء اللاحقين ـ وعلى رأسهم الحاج (محمد زبالة) القائم بالأمر حالياً ـ وبعد عمر المحل هذا الذي تخطى المئة من السنوات ـ أن يقوموا بتوسعته ، أو أن يبحثوا عن بديل له أكبر مساحة منه ؟ .

.يبدو أن ذلك لم يكن من انشغالاتهم بقدر انهماكهم بالحفاظ على المكان إرثاً نبيلاً حملوا مكانه ومسماه وديعة من جدهم ، فانشغلوا بذلك رصيد أرباح معنوية لا يجاريها ما يشغل غيرهم من ربح مادي كان بإمكانهم نواله من المسمى والصنيع المتميز وتاريخه العريق الذي لا يشاركهم صيته أحد.

اعتاب محل

لقد بقي (آل زباله) مشدودين لأرث طيب ، وإلى نكهة المكان وتاريخه الذي احتشدت فيه الذكريات ، وأنفاس من مرّ من هناك وتوقفت خطاه عند اعتاب محلهم ، وطعم عصيرهم وما نهل من أقداحه وترددت حواسه ريانة به ، وبما شرب ورأى وسمع واستعاد.

ولعلها ميزة كبيرة في إدلالها ، أنه وعند منصة العصير التي تعتليها زجاجات الزبيب متدفقاً إلى أقداح الشاربين توحدت خطى جميع العراقيين وتساوت قاماتهم وأبصارهم ، وهي تستقري تاريخ العراق الموجز بالصور.

فهنا وعند مذاق زبيب الحاج زبالة تماهت أذواق العراقيين بشتى مشاربهم ، وارتوت من طعم واحد ، فكان شربت الحاج زبالة فضاء نقاء وحدّ العراقيين وألغى الفوارق بينهم ، حتى أمسى (الشعبوي) يستدعي الرسمي (النخبوي) لمجاراته ، وفي كثير من الوقائع والصور التي حــــــواها المحـــل براهين ذلك.

دعيت مرة لزيارة المعالم التراثية في إحدى المدن العربية . وحين سألت عن عمرها قيل لي أنها لا تتجاوز السبعين سنة .

لحظتها تعالت في داخلي عبارة طالما رددها العراقيون متندربن : شربت الحاج زبالة أقدم منها وأعرق!! ، وهو كذلك حقاً ، فقد تخطى عمره العقدين والمئة من السنوات ، وذلك يجعله جديراً بأن يدرج في سجلات اليونسكو للتراث الإنساني التي تشترط في ما توثقه الامتداد الزمني ، وتواصل الحضور المخبر عن محلية السمات المكانية وإدلالها على التفرد والأصالة ، وذلك كله قد توافر عليه هذا المعلم وزاد.

هكذا استحال (شربت الحاج زبالة) أيقونة عراقية حافلة بالدلالات التي يُجمع العراقيون عليها . إنّ لهم أن يختلفوا على أي شيء ، ولكنهم لا يختلفون على الذكر الحميد لـ (شربت الحاج زبالة ) الذي ينهلون منه كي يزيح بطعمه ما علق فوق شفاههم من مرارة أيامهم وخيبات واقعهم السياسي والاقتصادي ، وما ابتلوا به من مدعين يسعون إلى النيل من يقيننهم الوطني، ومن كل مرتهن طيبة وجمال وأصالة عراقية صميم. كالذي اجتمع لـ (شربت الحاج زبالة).

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه