علي الجنابي
(هِذِي رسَالةٌ خَطَّها قَلمي بحرُوفٍ صَفيَّةٍ وَفيَّة، واختَصَّ بها الأسُودَ من ضباطِ وجُنودِ قواتِنا المُسَلَّحةِ الأبيَّة، بَريَّةً وجَويَّةً وبَحريَّة، ولا غَايةَ مِنها إلّا رايةُ العِزِّ أن تَبقى خَفَّاقةً عَليَّة).
والبَيريَّةُ ياسَادةَ، ياخيرَ جُندٍ كالَهُ ميزانُ الزَّمان برَويَّة، هيَ مُفردةٌ أعجميَّةٌ إفرنجيَّة "Beret"، وعندَ الإفرنجةَ تعني؛ قلنسوةٌ أو قبَّعةٌ لَيِّنةٌ مُستديرةٌ وطويَّة، وتُرتَدى بتشكيلٍ من جَانبٍ واحدٍ مع بَدلَةٍ عَسكريَّةٍ أو مدنيَّة. بيدَ أنَّها عندَ العِراقِيينَ تَعني؛ قلنسوةٌ صلبَةٌ تَلفُّ رأسَ العِراقِ، وهيَ صلدَةٌ تَحفُّ تُرابَهُ باتِّساق، وتَكفُّ بإهراقٍ عن حَرائِرِهِ الزَّكيَّة.
ومِن ذِكرياتِ زَمنٍ نَبيلٍ جَميلٍ وَلَّى عنِ البَريَّة، وأظنَّ أنَّ مِن مِثلهِ لا يَعودُ في خضَمِّ تَماوِجاتٍ وتَقلُّباتٍ سِياسيَّة، وبهِ الزَّمانُ لا ولن يَجودَ على قومٍ من ذَوي تَحزُّباتٍ دَنيئَةٍ وتجاذباتٍ دِنيويَّة. مِنَ الذِّكرياتِ أنَّنا كنَّا ضبَّاطاً ثَلاثة، وضابطَ صفٍّ سائقاً لعجَلةٍ لنا عَسكريَّة، تَنطلقُ بنا في الخَامسةِ فَجراً من بَغدادَ الى مَقرِّ عَملنا في مُعسكرِ المَحاويل بتوقيتاتَ يَوميَّة، ثمَّ لتنطلقَ بنا في السَّابعةِ مَساءً عوداً الى بَغدادَ النَّفيسَةِ الأَنيسَةِ النَّديَّة. وهكذا ثقلٌ في الحَالِ استَمرَّ لسَنواتٍ طَوالٍ شَقيَّةٌ لكنَّها زَهيَّة. وأمَّا الضُّباطُ فكانوا "مقدم عبدُ الوَاحد حِرِز" و"رائد نعمةُ ابراهيم" وأخُونا "العَريفُ حَيدر"، وأخوكُم كاتبُ السُّطور برُتبةِ نقيبٍ فَتِيَّة.
وإذِ استَقليتُ عامَ 1988 عَجلتَنا العسكَريَّة، في فجرِ يومٍ قارصٍ بلسَعاتٍ شتويَّة، وإذ كنتُ بحكمِ مَسكَني آخرَ مَن يَصعدُ فيها ذهاباً، وأولَ مَن يَنزلُ عندَ الإيابِ موَدِّعاً بتَحِيَّة. وما إن صَعدتُ أدَّيتُ للمُقدَّمِ التَّحيَّة، ثمَّ حَلَّقتُ في خِطابٍ لاذعٍ بِمزاحٍ لاسِع لكنَّهُ مُنضَبطٌ بأخلاقِ واحتِرامِ الرُّتبِ العَسكَريَّة. ومُدعاةُ خِطَابِيَ المازحِ أنَّهما كانَا حَاسري الرَأس وعلى المَقاعدِ قد رَمَيا "البَيريَّة". ومَعلومٌ أنَّ في طُقوسِ جَيشِنا العِراقي الصَّارمةِ النَّهَيَّة، أنَّ "البَيريَّةَ" لا تُفارق رأسَ ضابطٍ وجنديٍّ إلَا حينَ نومةٍ في إستراحةِ مقاتلٍ هَنيَّة. لا تُفارِقُهُ ما دامَ مُرتدياً بدلةٍ عَسكريَّة، وإنَّ نزعَها لهوَ منَ الكَبائرَ التي تُذهلُ كلَّ مُعَلِّمٍ عمَّا عَلَّمَ من مَناسِكَ عَسكريَّةٍ عِراقيَّة.
واصلتُ خطابيَ لهما بحَماسَةٍ قلَّ نظيرُها وبِلاهبٍ مِن حَميَّة، بأنَّ الإلتزامَ بالضَّبطِ والأناقةِ العَسكريَّةِ ضَرورَةٌ حَتميَّة، حِفاظاً على سِجلِّاتِ قواتِنا المُسلَّحَةِ بالجدِّ والعُنفوانِ غَنيَّة. بيدَ أنَّ الضَّابطَينِ كانا صَامتَين ولخطابيَ مُتجاهِلَين وفي شِبهِ نومٍ يَتَمَلمَلَان، وإذ أنا لم أزلْ مُحلِّقاً أخطبُ بأحسنِ ما في الذَّرفِ من بَيان، وما سَكَّتُّ حتَّى بَدَت مِنهُما بودارَ هُجومٍ سَاحقٍ ماحِقٍ في العَنان، رُبَما أجدُ نَفسِي بعدهُ كطيرٍ جريحَ الجناحِ نَطَّ من قفصِ العَجلةِ بهَوان، فحَطَّ على الرَّصيفِ مُتَحَسِّراً بخسرانٍ وخُذلان.
خَنَستُ فسَكتُّ فقَعَدّتُ جنبَ مُقدم عبدَ الوَاحد باتِّزان. وإذ كانَ جنباً مُّتكلِّساً منَ البَردِ كأنَّهُ جنبُ شَيخٍ عُتيٍّ جِثِيٍّ في دكَّان، رُغمَ تَدفئةٍ في العَجلةِ مُعطَّرةٍ بوَقودِها ومُقنطَرَةٍ بزيتٍ ودِهان. قَعدتُ جنبَهُ كي نَخطفَ غَفوةً طَوالَ الطَّريق باحتِضان، ولكن قُبيلَ أن يُسامِحَنيَ المقدمُ على ما بَدَا مِنِّي من خطَابِ لَغوٍ بغَثيان، لَمَحنا ضَابطاً برتُبةِ رائدٍ في الإنضباطِ العَسكريٍّ مُنتصِباً وسطَ الطَّريق بامتِهان، في صَدر نقطةِ السَّيطرةِ لمَدخلِ بغدادَ الجُنوبيِّ بعُنفوان، وإذ كانَ رافِعاً يَمينهُ يَأمرُ بها "حَيدرَ" بركنِ العَجلةِ جانباً على رَصيفِ ذاكَ المَكان.
رَكَنَها حَيدرُ فأقبلَ الرَّائدُ فأدَّى التَّحيةَ للمُقدَّمِ عبد الواحد قَائلاً: "سَيِّدي، اطلبُ مِنكَ والأخِ الرَّائدِ -عَدا النَّقيبِ- بطاقةَ الهَّويةِ العَسكريَّةِ وإني لآسِفٌ بل حزنَان، لأنَّكما بَأمرٍ من السَّيدِ رَئيسِ أركانِ الجَيشِ مَوقوفان، لعَدمِ ارتدائِكمُ البَيريَّة فتَفَضلوا بالنُّزولِ أيُّها الفُرسان". فنَزَلا فَنَزَلتُ تَضَامناً معهُما لنَعلمَ جَميعاً ما سَيكونُ من أحداثٍ في ذا مَكان، ولنفهمَ منَ رَائدِ الإنضباطِ عن ذا الحدثِ كيفَ كان.
ثمَّ عَرَفنا الأمرُ وتَوَضَّحَ لنا واستَبان، أنَّ موكبَ السَّيدِ رئيسِ الأركانِ، كانَ قد مرَّ خَطفَاً جَنبَ عَجلتِنا، فأمَرَ سيادَتُهُ آمرَ السَّيطرةِ بتَوقيفِ اثنَينِ لا ثَلاثةٍ، بلِ فقط هما الإثنانِ، وإذ نحنُ ما شَعَرَنا بمَوكبهِ من جَوِّ بضَبابِ، وكنتُ مُنهَمكاً بخِطاب، والوقتَ قَبيلَ الضِّياءِ كان. وإنَّما الوعظُ النَّصوحُ واجبٌ عليَّ بل هوَ من رَكائزِ مالديَّ من إيمان. ثمَّ قُلتُ لهما مواسياً بخُبثٍ في ذاكَ المكان؛ "إني لن أملَّ من زيارتِكما في السِّجن بعِرفان، لا ولن أكلَّ من حَملِ دجاجٍ وكَبابِ، ولبنٍ معَ أرطابٍ، ومن عصائرَ أناناسٍ وموزٍ ورُمان". ثمَّ استَمرَّ حالُنا المُتَهَستِّرُ المُتَسَتِّرِ بغشاوةِ أملٍ من عَفوٍ وغفران، في نقطةِ السَّيطرةِ تلكَ حتى التَّاسعةِ من صَباحِ ذاكَ الزَّمان، ثمَّ تمَّ من بعدِ اتِصَالاتٍ إخلاءَ السَّبيلِ والصَّفحَ عن ذا فعلِ مُدَان. فانطَلقنا صَوبَ مُعسكرِ المَحاويلَ بأربعِ رؤوسٍ معصُوبةٍ بالبيرياتِ حِصان، وبمشاعرَ جديدةٍ بينَ ابتِهاجٍ بخلاصٍ من عقابٍ عن عِصيان، وبينَ التِهاجٍ من سُوء طَالعِ يومٍ ذي ضَبابٍ بغَثيان.
ثُمَ اخذتُ مُكبِّرَ الصَّوتِ في العَجلةِ خطِيباً بحَماسةٍ هيَ أشدُّ من الأولى عنِ الضَّبطِ العَسكَريِّ باحترافٍ وارتِهَان، فالتَفتَ المُقدمُ الى الرَّائدِ الذي كانَ في بُحيرَةِ الضَّحكِ غَرقان، فَقالَ لهُ؛ قُمْ وأَلجمْ هَذا الخَطيبَ وإلّا سأقومُ أنا برَميهِ منَ نافذةِ عجلةٍ ذاتِ دُخَان". ثمَّ انفجرَ المُقدمُ بضحَكةٍ مُتَقطِّعةٍ مَعهُودةٍ عنهُ في كلِّ ميدان، وكأنَّها ذبذباتُ إذاعةِ "ساحلَ العاجِ" أو تَردُّداتٍ من"كازَاخِستَان".
أعلمُ أنا ألَّا طَرافَةَ في رِوَايَتي ولا فيها ظَرافةٌ لحروفٍ حِسان، غيرَ أنَّ مكمنَ غَرِيبِ الحِكَاية وعَجيبَها الرَّنان، أنَّا الثَّلاثةَ تَعوَّدنا المُزاحَ في شُؤونِ الحَياةِ كافَّة بلطفٍ وأمانٍ بلا احتِقان، إلّا شَأناً عَسكَريّاً فلا نقرَبْهُ مَهابةً لما فيهِ من مَعانٍ بلَمَعَان، ثمَّ إنَّنا فيهِ سابِحونَ في كلِّ حينٍ وآن. وتَاللهِ لا أدري لمَ في فَجرِ ذلكَ اليومِ حَصراً، غَيَّرتُ فصَيَّرتُ المُزاحَ يخوضُ في ذا شَأنٍ بافتِنان !
تحيةَ تقديرٍ رَاقٍ واحترامٍ باقٍ ما دامَ نَبتٌ باقٍ في جِنان، لإخوانيَ الضُّباطِ مقلَةَ عَينِ العِراق، ولضُبَّاطِ الصَّفِّ شُعلةَ الأحداقِ في المَيدان، وقد أمسَتْ خِدمَةُ العَلَمِ بينَ يَديَّ كمثلِ حُلُمٍ رَهيفٍ مرَّ في خَيالِ فتىً نَبيلٍ ظريفٍ عاشقٍ لديارِ عشقِهِ وبها وَلهان.
وإذاً، فالبيريَّةُ ياسَادةَ، ياخيرَ جُندٍ كالَهُ ميزانُ الزَّمان، تَعني عندَ العراقِيُّينَ؛ قلنسوةٌ صَلبَةٌ تَلفُّ رأسَ العِراقِ، وصَلدَةٌ تَحفُّ تُرابَ رَافِديهِ باتِّسَاق، وتَكُفُّ باحتِراقٍ عن حَرائِرِهِ الزَّكيَّة. فلا ترتَدوها إلّا مُتَوَّجةً بشِعارِ"قِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ"، واعلَموا أنَّها سَبيلُكم ولا سُبُلَ سِواها ترفعُكم للعزِّ ثمَّ الى نارٍ أو الى جِنان.
أخوكم: الجنديُّ على الجنابي/ دورة 65.













