"التعافي من جروح العائلة: من الألم إلى الأمل"

بقلم نزهة عزيزي تشرين2/نوفمبر 04, 2024 973

بقلم نزهة عزيزي


منذ أن نشرت مقالي حول أزرار تحكم الأم في إبنها وتحول النرجسية من الأم إلى الأبناء تهاطلت علي الكثير من الرسائل من نساء ورجال مختلفة مستوياتهم الفكرية والاجتماعية ليخبروني أن المقال وضع الإصبع على الجرح أو تطرق للمسكوت عنه. نساء ورجال يعشون أدوار الضحية مع أشخاص نرجسيبن مؤذيين ولا يملكون أحيانا الخيار للرحيل غالبا لأسباب مادية أو لضغوط أسرية واحيانا قبلية .

فلنقترب من الصورة أكثر ولنحاول أن نفهم لماذا يتحول الأب أو الأم لنرجسيبن يتحكمون في مستقبل أولادهم ويتدخلون في إختياراتهم ويصلون إلى الابتزاز العاطفي أو المادي، وهم لا يدركون أنهم يحطمون أولادهم ويعقدون تفكيرهم وتوازنهم النفسي. فلأم التي تختار زوجة لابنها وتطلقها منه إذا لم يعجبها حب إبنها لها أم ظالمة تعاني من عقدة أديب وهي نقطة بداية الخلل. المشكلة كلها في الحب، المرأة المتوازنة نفسيا والتي عرفت الحب مع شريك حياتها، ستترك زوجة إبنها في سلام أما إذا عاشت مع زوج مهمل ولم يقدرها كإمرأة فهي ستبحث عن التعويض في حبها لاولادها وتعتبر أولادها ملكها لأنها فشلت في أن تمتلك قلب زوجها. ومن هنا تبدأ جروح العائلة وقد تتشعب هذه الجروح خارج النرجسية مثلا التحرش الجنسي بالأطفال أو العنف الاسري أو الاغتصاب في إطار الزواج وغيرها ...
في هذا المقال محاولة لفهم ماهي جروح العائلة وكيف نتشافي منها من خلال البحوث السيكولوجية مع الوقوف عندها في الأدب العربي المعاصر.

العلاقات العائلية تشكل جوهر حياتنا منذ الصغر، إذ أنها تُغرس في أعماق النفس البشرية وتُحدد معالم هويتنا وشخصياتنا. غير أن بعض هذه العلاقات، رغم قربها الحميم، قد تحمل ندوبًا وجروحًا نفسية عميقة تظل ترافق الفرد طيلة حياته، ويكون التشافي منها ضرورة أساسية لتحقيق حياة متوازنة وصحية. في هذا المقال، سنسلط الضوء على كيفية التشافي من جروح العائلة من خلال الاستعانة بنتائج علمية، بالإضافة إلى أمثلة من الأدب العربي توضح عمق هذه التجربة.

أولًا: أهمية فهم الجروح النفسية الناتجة عن العائلة
تشير الأبحاث النفسية إلى أن الجروح الناتجة عن العلاقات العائلية تتضمن غالبًا مشاعر الخيبة، الإهمال، الانتقاد المستمر، أو حتى التجاهل، وكلها يمكن أن تؤدي إلى صدمات نفسية. وتُعتبر نظرية "الجروح النفسية" (psychological wounds) جزءًا أساسيًا في دراسات علماء النفس الذين يرون أن هذه الصدمات تخلق مزيجًا من الأفكار والمشاعر السلبية التي تعيق التطور الشخصي.
على سبيل المثال، يشير عالم النفس "جون برادشو" في كتابه عندما يعيد الطفل داخلك الحياة (Homecoming: Reclaiming and Healing Your Inner Child) إلى أهمية إدراك الفرد للعوامل المؤثرة في تطوره العاطفي منذ الطفولة، حيث أن اكتشاف تلك الجروح ومعالجتها يساعد على التحرر منها وبناء حياة جديدة.

ثانيًا: بروتوكولات التحرر من جروح العائلة
بروتوكول التحرر الشخصي يتضمن خطوات عملية تهدف إلى مساعدة الفرد على تجاوز الصدمات النفسية العائلية. ويشمل هذا البروتوكول عددًا من المراحل مثل:
1. الاعتراف بالجروح: إدراك أن بعض التصرفات والتجارب العائلية قد تكون تركت أثرًا عميقًا يمكن أن يُشكل نقطة البداية للتحرر.
2. التأمل الذاتي وتحديد المشاعر: تعد كتابة المشاعر والذكريات المرتبطة بتلك التجارب وسيلة لفهم عُمقها وأثرها النفسي.
3. التواصل والانفصال العاطفي: في بعض الحالات، قد يكون من الضروري إعادة صياغة العلاقة مع أفراد العائلة بما يتناسب مع توازن الفرد، وحتى اختيار مسافة نفسية صحية
4. البحث عن الدعم: طلب المشورة من محترفين، مثل المعالجين النفسيين، قد يسهم في تسريع عملية التشافي وتقديم أدوات عملية لمواجهة الألم.
تؤكد الدراسات العلمية على أهمية الدعم النفسي في هذه المرحلة، إذ وجدت دراسة نُشرت في مجلة علم النفس العيادي أن التدخلات النفسية الفردية والجماعية تساعد الأفراد على تطوير استراتيجيات لمواجهة مشاعر الألم والخيبة.

ثالثًا: أمثلة من الأدب العربي: رحلات التشافي والبحث عن الذات
تعكس الأعمال الأدبية العربية المعاصرة هذا النوع من الصراعات، إذ أن العديد من الأدباء والمفكرين العرب تناولوا مسألة الصدمات العائلية وآثارها على النفس البشرية. ومن أبرز الأمثلة :غادة السمان، الكاتبة السورية التي ركزت في أعمالها على قضايا المجتمع العربي، وغالبًا ما تحدثت عن العلاقات العائلية المعقدة. في كتاباتها، نلمس الصراع الداخلي الذي تواجهه الشخصيات بين رغبتها في التحرر من القيود العائلية وبين الخوف من فقدان الانتماء. تُبرز أعمالها كيف أن التسامح مع الماضي وخلق حوار داخلي يمكن أن يشكل جزءًا من عملية التشافي.

الطاهر بن جلون، الكاتب المغربي، في رواية تلك العتمة الباهرة، يعرض جانبًا من الآلام العائلية بشكلٍ غير مباشر عبر شخصية تَسْتَذْكِر طفولتها وجراحها. رغم أن الرواية تُركز على جوانب سياسية، إلا أن الخلفية العائلية والأزمات النفسية لها صدى واسع يشير إلى كيف يمكن للألم الشخصي أن يُستَثمر في بناء قناعة للتحرر.إبراهيم الكوني، الأديب الليبي الذي نقل في كتاباته صراعات الروح الإنسانية، يسلط الضوء أيضًا على العلاقة بين الفرد والبيئة المحيطة به، بما في ذلك العائلة. تبرز هذه الصراعات الداخلية في شخصيات تبحث عن فهم أعمق لحياتها وتفسير لجراحها.

التشافي من جروح العائلة هو عملية تتطلب الوقت والجهد، ولكنه طريق يحمل الأمل والراحة. إن البحث عن الذات وفهم التجارب السابقة لا يعني التخلي عن العائلة أو التنصل منها، بل يعني إيجاد مساحة جديدة للتوازن والسعادة بعيدًا عن الأعباء النفسية. تبقى الأدوات العلمية والأدبية مرشدًا لنا في هذا الدرب، حيث أن كل خطوة نحو التصالح مع الماضي هي خطوة نحو بناء حياة مليئة بالتفاؤل.

مصادر موصى بها:

1. Homecoming: Reclaiming and Healing Your Inner Child، جون برادشو.

2. مجلة علم النفس العيادي - مقالات حول دعم الأفراد المتأثرين بجروح الطفولة.

3. روايات غادة السمان والطاهر بن جلون كأمثلة تعكس آثار الجروح النفسية العائلية.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه