علي اليدري علمي "المغرب"
تقديم دليل
اطلعت على كثير من قصائد الشاعرة الكردية الراحلة، كزال ابراهيم خدر. وكلما اطلعت على قصيدة جديدة منها، ساورني الاعتقاد انني استنفذت روعتها. إلا أن قصيدتها " قص شعري بيديك "، المترجمة الى العربية بقلم أ. نسرين محمد غلام ، مشكورا، حدثتني أن كزال توأم أبدي للروعة. يسعدني أن أتشاركها مع قرائي الأوفياء.
القصيدة
قصّ شعري بيدك
شعر كزال ابراهيم خدر
ترجمة "نسرين محمد غلام
١ -
قصّ شعري بيدك
ماذا أفعل بشعر
خصلاته وتر كمان
يعزف لي لحنا حزينا
أنا لا أريده أبدا
يضفره الجهلاء كالحبل
لأوقات راحتهم
يبيّتون فيه جنين حقدهم
المجرمون يعملون منه حبل الإعدام
ويخنقون به أعناق الأبرياء.
٢ -
قص شعري بيدك
لتصبح أناملك أنت
مشطا لتسريح شعري
وبه نسمة أنفاسك
تنقشه
لولا والدتي.
من عصبيّتها الزائدة في وقت غير مناسب
تجرّ شعري وتقتلعه من جذوره
٣ -
استعمل بقوة كل أناملك
وافتح عقدة ربطتي
اكسر ذلك الحجاب
الذي يفقدني جمالي
ويجعل خصلات شعري سجينة لها
٤ -
قل لخصلات شعرك
أن لا تشمّ رائحة شعري
أخشى كثيرا
عند رجوعي من إحدی اللقاءات
والدي يشمّ شعري
٥ -
تعال وقصّ شعري
خده لك
أنا متأكدة يأتي يوم
يحرقون جسدي
ويحرقون
كل شعرة من شعراتي
ولن يبقى من شعري
سوى رماد
٦ -
أنت بستان مليء بالأزهار
أنفاسك نسمة
تزيل عنّي همومي
وتبعدها عنّي
بعيدا بعيدا
وتهديها للبحر
البحر واسع جدا
تخبّأ في أعماقه كلّ الأشياء
ليس شعري أنا فقط
٧ -
ذلك الرّسّام متوقد الذكاء
لا يرسم ثدي المراة
• الجهلاء يتفلون (يبصقون ) عليه
صدق ذلك الرسام
لا يرسم شعر امراة
والأقلام تلعب به
٨ -
اشتريت لي فستان
جاءت ابنة رجل ثريّ
ومزقته.
خبّأت حلما لك في حضني
وجدته والدتي
وأحرقته
لبستني خاتما في إصبعي
فقدته لسوء حظي
وضعت وردة على شعري
سرعان ما ذبلت
قبل أن أشمّ رائحتها
-٩-
لا تقل لي إشقري شعرك
تبدين أجمل
دعيه بلون الحناء
أنا أريده
بلون شعر نساء مملكتي
لون أحمر قاتم
قراءة وتماهي
عندما نقف أمام معلمة فنية. لا بد أن يتملكنا منها الاعجاب. وما بالك أن يكون الجمال فيها باكتظاظ. كما حال قصيدة " قص شعري بيديك " للشاعرة الراحلة كزال ابراهيم خدر. التي وجدت اعجابي بها يرتقي الى درجة الانبهار.
أتدري ما الانبهار!؟
ان تجدك تقرأ القصيدة، وتعيد قراءتها عدة مرات دون أن ينال منك ملل ولا ضجر.
أن تجدها في كل مرة تعود اليها، بكامل عذريتها، تفشي لك سرا جديدا.
أن يمتد اليك بهاؤها خيوطا من نور، تشل فيك كل محاولة للفكاك منها. فتستسلم لها انتشاء واصغاء لبوحها الفاتن.
أن يتضاعف فيك الذهول، وأنت تتأمل منها البوح بسرها. فتحيلك الى البحث عنه في ذاتك. مومئة كأنها استوطنتك بإحكام. فتتحسس بهاءها يسح في مساحة روحك.
أن تستشعر العجز في انتقاء اللفظ الذي يليق بالمقام. ودربة الحديث عنه تحليلا وتعليلا.
ان ترهنك باستحضار كل كيانك بلاغة وثقافة وتأملا وخيالا، دون القدرة على استيفاء الموضوع حقه. فقط لاشفاء بعض غليلك.
هكذا، العناد مني وحده يدفعني إلى اقتحام يم القصيدة. كمن يتحايل للمس جواهر عقد يتعذر عليه امتلاكه.
" قص شعري بيديك"، عنوان القصيدة بحمولة مذهلة لا شك. فالشعر رمز انثوي في منظومة ثقافة كل المجتمعات البشرية، او جلها على الأقل. لا احد يستطيع انكار ما يمارسه علينا من جاذبية، وهو ينسدل على ظهر كاعب. أو مفتولا بشكل أنيق. ناهيك عن ألوانه التي قد نختلف حول الأجود منها. رغم ان نظرية الجمال تفصل في الموضوع بمدى التناسق بين لونه وبشرة صاحبته. وقد وجدته وصفا في منتهى الروعة، على لسان شاعر الاختصاص نيزار قباني، في قصيدة " غرناطة " قائلا.
سارت معي والشعر يلهث خلفها " كسنابل تركت بغير حصاد.
مع ذلك، يعن لي في الموضوع سؤال جدير: هل الاعجاب بشعر الأنثى على قدر سواء بين الرجل والمرأة!؟
وارد فعلا أن المرأة تبدي اهتماما فائقا بشعرها. لكن أليس ذلك فحسب مجاملة للرجل حتى تثير افتتانه!؟
أشكال يستنبط بكل موضوعية من كلام كزال ابراهيم خدر، وهي تطالب ظنينها أن يقص شعرها بيديه. أخذا بعين الاعتبار منطوق كلامها على الأقل. رغم أن قصدها يتجاوز هذا المعنى المسطح بكثير. فكم هو رائع النبش في الأغوار، بحثا عن الجوهر!
يا مخاطبها ببهاء شعرها، مختزلا كيانها في انسداله مصففا على كتفها. ملتهما توهج أنوثتها هناك. كم انت قصير النظر. فالأنثى ليست أداة لهو. ولا شعرها أوتار عود لعزف لحن الحزن. إنه لمن الجهل أن نصير جدائل شعر امرأة حبلا لشنقها. هكذا تكشف كزال خساسة لغة الغزل في المرأة عندما تهتم بما يلمع فيها من معالم الأنوثة. غافلة عن إدراك عمقها الانساني.
ذاك الشعر الذي يراه نظيرها مصدر إثارة، لا تتلكأ كزال عن وضعه بين يديه، ليقصه، ليمشطه بأصابعه، لينقشه بنسائم أنفاسه. فهو أبخس ما يمكنها القيام به. إنها متأهبة لعطاء أرقى عندما يتعلق الأمر بصدق المعنى. قبل أن يشتط الغضب بأمها. فتقتلعه من جذوره. ربما غيرة. وربما توافقا أن الأنوثة هي أعمق من أن تختزل في خمائل شعرها. فذا الشعر مجرد حجاب يستر جوهر المرأة. لذلك، تتوسل كزال نظيرها أن يكسره ويحررها من قيد لا ترتضيه.
قص شعري يا نظيري، واحذر ان أن تشمه خصلات شعرك. مخافة ان يشمك والدي في شعري. فالآباء مرضى بنزعة التسلط، مصابون بآفة الغيرة أيضا. الجاهلون سواء، إناثا وذكورا يتربصون بكل امرأة ليضرموا النار فيها يوما ما. فبالغ في هرفك إلي يا نظيري، قبل ان تقع الواقعة.
هل تريدون معرفة حقيقة الرجل في عيون امرأة صادقة!؟ إنه بستان أزهار. نسائمه وحدها القادرة على جمع أحزانها. وإهدائها للبحر. على سعته، يستطيع أن يبلع كل شيء سوى شعرها. فهو منذور لنظيرها. فكيفك يا رجل تصم الآذان في وجه نداء الوجدان!؟
رسامون جميعا نحن، نقف أمام قامة امرأة. الذكي منا يرسم صدرها. ضدا على ما يناله من بصق الجهلاء. والمحق من لا يرسم شعرها. لأنها أسمى من تموجات بريقه. نكاية في أقلام البخس الزائفة.
حبك الصادق يا صديقي جعلني في مرمى عدوان. أنفقت بنت الجيران من ثراء أبيها لتهده وتمزقه. أمي ذاتها اقتلعته من حضني، وأحرقته. ناورت بوضعه خاتما في أصبعي، ضيعه القدر. وكم واحدة شكلت شعرها بوردة ذابلة قبل أن تشمها!
هل وعيتم الآن سر مطالبة كزال بقص شعرها!؟ وتمانع أن تلونه بالأشقر، كي يبدو جميلا. فلا لون له أجمل من لونه الدموي الأصيل. لون شعر كل امرأة صادقة الانتماء لبلدها.
فعلا. " قص شعري بيديك "، قصيدة شاهد بقوة على عظمة الشاعرة كزال ابراهيم خدر. وضعت على محك العمق، المرأة كقضية انسانية تسمو فوق رؤى تشييئها. وجاءت فيها محسنات البديع الشعرية مضغمة تماما مع عمق الفكر. يسعدني أن أشارك قرائي الأعزاء هذه التحفة الأدبية الفذة.













