خديجة مسروق / كاتبة وناقدة من الجزائر
حين تعود بذاكرتك إلى الماضي كأنّك تطلّ من نافذة مضاءة, تشعركأنّك تبحث عن شيء ما ضاع منك. وأنت تمرّ بالمكان تجد الأجواء مقفرة والشّوارع معتّمة وكل شيء فيه تغيّر,فلاشيء يبقى على حاله.
الروائي الفرنسي باتريك موديان والحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 2014 في عشب اللّيالي يضع بين يدي القارئ مجموعة من الأحداث المتشابكة والملغّزة يمضي جون بطل الرواية متجولا في الدّروب الشّائكة التّي وضعه فيها الروائي باحثا عن الحقيقة.
رواية يتداخل فيها الواقع بالخيال والحلم بالحقيقة والظّلمة بالنّور. مفارقات لا متناهية تقدّم صورة عن باريس مدينة الجمال التّي أثقلتها الحرب وتحوّلت إلى مدينة موحشة. المذكّرة السّوداء التّي كان يلجأ إليها جون تحفظ تفاصيله وحركة الزّمن المرافق له يتسلّم جون ملفا قضائيا من أحد الأصدقاء المحققين يتضمّن أسماء مجموعة من المتورطين في قضايا سياسية, تدفع البطل للتساؤل عن الأسباب التي جعلتهم يغرقون في تلك الأوحال. الملف كان قد طًوي منذ أكثر من عشرين سنة, يعود جون ليتصفحه من جديد محاولا الانزياح نحو الماضي للسّفر رفقة حنين موجع إلى شوارع باريس التّي كان يعرفها كما يعرف نفسه. هو رجل عاشق للأدب, مهتم بالشّعر والرواية. يجد نفسه كأنه مجبر على تقمص دور المحقق للبحث عن الحقيقة الكاملة لشخصيات الملف بعد أن اكتشف أن هناك صفحات مفقودة داخله عليه كتابتها وتصحيحها يبذل جهدا كبيرا في ذلك لتحديد مصائر الشّخصيات المنفلتة من قبضة الرّوائي. غير أن انخراطه في تلك الأحداث يؤدي به إلى التّورط في تهمة قتل رجل كانت تسبّبت في قتله صديقته داني. العجيب في ذلك أن عملية القتل مجرّد كابوس رأته داني في نومها.
يتعرّف جون على شخصيات من المخابرات المغربية, وبعض المشبوهين الفرنسيين. يمضي وقته متجولا في شوارع باريس ومقاهيها مع صديقته داني, التّي لم يكن يعرف عنها إلا اسمها المزوّر الذّي تختفي وراءه. داني كانت تحمل بطاقة هوية لزوجة أستاذ جامعي. لم يوضح الروائي سبب امتناع داني عن الكشف عن اسمها الحقيقي. قد تكون داني تمثّل باريس التّي غابت صورتها وضيّعت الحرب هًويتها, ولم يبق من معالمها الجميلة والمًغرية سوى ملامح مرسومة في ذاكرة عشاقها.
عشب اللّيالي تفتح فجوة في مدار الزّمن يتسلّل عبرها بطل موديانو إلى الماضي, فيكتشف أن الأمكنة التّي كان يعبرها لم تعد هي الأمكنة. طوى الزّمن كلّ شيء وتغيرت الشّوارع والأحياء والمباني, ولم يعد لأصدقائه وجود هناك.
باتريك موديانو يسلط الضّوء على مرحلة سوداء عاشتها باريس خلال الحرب العالمية الثانية. يتعمّد ترك فجوات سردية, ووضع علامات سوداء على صفحات بيضاء في روايته. يًنتظر من القارئ من خلال قراءة ما وراء السّطور ملأ تلك الفجوات, لفك شفراتها التّي تربك قارئها, والذّي قد يعجز ربما عن تصنيفها إن كانت مذكّرات شخصية أم شذرات من الذّاكرة ؟












