اللواء الركن ضرغام زهير الخفاجي
كاتب وباحث في قضايا الأمن الإقليمي
خبير في شؤون الدفاع والتدريب والعلاقات الدولية
*المقدمة
على مدى العقدين الماضيين نجح جهاز الموساد الإسرائيلي في بناء شبكة تجسس معقدة وعميقة داخل إيران اخترقت مفاصل حيوية في البنية الأمنية والعسكرية والعلمية. وقد كشفت الحرب الأخيرة أن هذه الشبكة لم تكن نائمة بل كانت مهيأة لتنفيذ مهام نوعية فور تلقيها الإشارة ما يثير تساؤلات خطيرة حول عمق الاختراق الإسرائيلي وحجم التهديد الكامن في قلب المنظومة الإيرانية والحاجة الملحّة إلى تحرك منهجي وجذري لاحتوائه.
*الشبكة النائمة التي استيقظت في اللحظة الحرجة
في تصريح إعلامي نادر قال رئيس الموساد دادي بارنياع: "قمنا بإحباط المشروع النووي الإيراني".
تحدث بارنياع لأول مرة عن إنجازات "عملية الأسد الصاعد" التي انتهت قبل أيام بعد 12 يومًا من القتال موجهًا شكره لأفراد الموساد على جهودهم. وأضاف:
"هذه أيام تاريخية لشعب إسرائيل. لقد جرى إحباط التهديد الإيراني الذي طال أمده بفضل التعاون الاستثنائي بين جيش الدفاع والموساد وبدعم من حليفتنا الولايات المتحدة."
وأكد أن الموساد عمل جنبًا إلى جنب مع الجيش داخل إسرائيل وخارجها لتحقيق أهداف الحملة مشيرًا إلى دور الاستخبارات الدقيقة والتكنولوجيا والقدرات العملياتية في دعم سلاح الجو بتدمير البنية التحتية النووية الإيرانية وتحقيق تفوق جوي وتقليص تهديد الصواريخ.
كذلك تم الكشف عن قيام الموساد بتجنبد مجموعة من الأفغانين والباكستانين وعناصر عراقية شاركوا بشكل مباشر أو غير مباشر في تهريب أسلحة ومعدات من العراق إلى إيران ونقل معلومات ووكلاء محليين للموساد.
* مؤشرات خطيرة
تشير التقديرات إلى أن الموساد لم يزرع جواسيس تقليديين فحسب بل أنشأ خلايا نائمة معقّدة توزعت في المناصب العسكرية والأمنية والسياسية والإدارية والتجارية والأكاديمية ومن الوافدين الاجانب دون إثارة الشبهات. ومع بدء الهجوم تم تفعيل هذه العناصر بنسبة تقارب 99%.
ومن أبرز مؤشرات هذا النشاط:
- اغتيال قيادات من الصف الأول بعد مراقبة دقيقة.
• تصفية علماء نوويين بارزين.
• اختراق مذهل لبرنامج إيران النووي.
• التغلغل في برامج تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة.
• الوصول إلى مصادر القرار ومراكز الإدارة.
• إنشاء ورش تصنيع داخلية للطائرات والمتفجرات.
• شراء أصول عقارية لاستخدامها لأغراض سرّية.
• تهريب أسلحة دقيقة نُفذت بها عمليات نوعية.
• تنفيذ تفجيرات بسيارات مفخخة.
• بناء شبكة متكاملة لجمع وتحليل وتسريب المعلومات.
• انشاء اكشاك صيرفة لنقل الأموال.
*هل حان وقت "التطهير الكبير"
طهران أمام لحظة استثنائية يمكن تحويلها إلى يقظة استخباراتية كبرى. لأول مرة منذ سنوات تظهر معالم الاختراق بوضوح وتبرز معها فرصة إطلاق عملية "تطهير شامل" تشبه تلك التي نفذتها الاستخبارات الأوروبية خلال الأربعينيات لكن بأدوات حديثة.
الحاجة اليوم لا تقتصر على حملات اعتقال بل تتطلب:
- مسح استخباراتي دقيق للفترة التي سبقت الضربة.
• تتبع تحركات الشخصيات الحساسة وتوثيق اتصالاتها وتنقلاتها.
• مراجعة سجلات الاتصالات الرقمية.
• مراقبة مصادر التسريب والضعف بهدوء وصرامة.
*الموساد يضحي بشبكته... لهدف أكبر
من الواضح أن إسرائيل قررت المجازفة بكشف شبكتها داخل إيران. فالعناصر المُفعّلة ليست النخبة التي سوف يتم استخدامها في الصفحة الثانية من العملية بل مصادر محلية ثانوية تم التضحية بها من أجل هدف استراتيجي أكبر:
زعزعة الداخل الإيراني وتهيئة الأرضية لتغيير سياسي جذري.
إنه الانتقال من مرحلة التجسس إلى الهجوم الصريح وهي مغامرة تشير إلى شعور إسرائيلي بأن لحظة الانكشاف قد اقتربت فاختارت إسرائيل الهجوم أولًا وتنفيذ الصفحة الاولى بنجاح والتضحية ببعض العناصر لحماية العملاء الرئيسين.
*الخاتمة
الاختراق أصبح حقيقة واقعة وتفكيك المنظومة من الداخل هدف مستمر. في المقابل الرد الإيراني يجب أن يكون بمستوى التحدي لا بردود فعل عشوائية أو انتقامية ضد المعارضين.
بل يتطلب:
- احترافية استخباراتية.
• منهجية علمية.
• تحصين للمؤسسات.
• إعادة بناء الثقة في الدولة.
الفرصة لا تتكرر. ما نشهده ليس نهاية حرب بل بداية معركة في الظل... داخل الدولة نفسها. حيث لا يُرى العدو لكن آثاره مدمّرة.
*السؤال الجوهري الآن:
هل انتهت الحرب بين إيران وإسرائيل؟
أم هناك حرب بدأت لتوّها... من الداخل؟













