دكتور خالد عبد الغفار البياتي
خبير امن قومي
مقدمة
في بيئة أمنية عالمية تتسم بالتغيرات السريعة والتهديدات المتعددة الأبعاد، أصبح من الضروري أن تتبنى الدول نهجًا أكثر شمولًا واستباقية في إعداد نفسها للدفاع.لم يعد كافياً الاعتماد على المؤسسة العسكرية بمعزل عن بقية قطاعات الدولة، بل بات مطلوبًا تطوير عقيدة دفاعية متكاملة تشمل المدني والعسكري معًا في منظومة وطنية مترابطة.
تبحث هذه الورقة في مفهوم العقيدة الدفاعية الحديثة، ودور التكامل المدني–العسكري في بناء الجاهزية الوطنية، وتعرض نماذج وتجارب من دول متعددة من بينها فنلندا، كوريا الجنوبية، إسرائيل وسنغافورة، كما تسلط الضوء على تجربة قيادة العمليات المشتركة في العراق كحالة ذات أهمية خاصة في السياق الإقليمي.
أولًا: العقيدة الدفاعية – المفهوم والتحولات
العقيدة الدفاعية تمثل المنظور العام للدولة في التعامل مع التهديدات المحتملة.وحسب وزارة الدفاع البريطانية (UK MoD, 2022)، فإنها تحدد طبيعة المخاطر، وتوزيع الأدوار بين القوى الأمنية والمؤسسات المدنية، وتضع إطارًا عامًا لكيفية حشد الموارد الوطنية في مواجهة الأزمات.وقد تحوّل المفهوم في العقود الأخيرة من نمط عسكري صرف إلى إطار تكاملي يشمل المجتمع بأكمله، مع تركيز متزايد على المرونة، الردع، الاستجابة السريعة، والسيطرة على التأثيرات الاقتصادية والنفسية للأزمات.
ثانيًا: التكامل المدني–العسكري: أساس الجاهزية الوطنية
يعني هذا المفهوم دمج المؤسسات المدنية في منظومة الدفاع الوطني بشكل منهجي ومنظم، بحيث تساهم الوزارات، والقطاع الصحي، والبنى التحتية، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التربوية، في حماية الدولة خلال التهديدات الكبرى، سواء كانت حروبًا، أزمات صحية، أو هجمات إلكترونية (RAND, 2020).
ويشمل ذلك التدريب، التخطيط، المشاركة في غرف العمليات، والتنسيق المسبق على كافة المستويات.
هذا التكامل يحقق ثلاثة أبعاد استراتيجية:
- الجاهزية: قدرة الدولة على التحول السريع من السلم إلى الطوارئ.
• الشرعية: تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع في أوقات الأزمات.
• الصمود: تقليل نقاط الضعف في الجبهة الداخلية والمؤسسات المدنية.
ثالثًا: دروس من التجارب الدولية
1.كوريا الجنوبية: شراكة استراتيجية بين المدني والعسكري
تمثل كوريا الجنوبية أحد أبرز النماذج الحديثة في إدارة الدفاع الوطني، حيث تعتمد الدولة على نموذج تكاملي يُعرف بـ"الدفاع المتعدد المستويات"، يجمع بين القوة العسكرية عالية التقنية والبنية المدنية المنظمة.تشمل الخطط الدفاعية الكورية مؤسسات التربية والتعليم، والنقل، والاتصالات، وتُجرى تدريبات دورية يشترك فيها المواطنون المدنيون تحت إشراف وزارة الدفاع.وتلعب الوكالة الوطنية لإدارة الطوارئ (NEMA) دورًا محوريًا في الربط بين السلطات المحلية والجيش خلال الطوارئ.
2.فنلندا: نموذج الدفاع الكلي Total Defence
يعتمد هذا النموذج على فلسفة مفادها أن "كل فرد مسؤول عن الدفاع".تُدرّب البلديات على استمرارية الخدمات، وتُنسّق الخطط مع القطاع الخاص ووسائل الإعلام، وتُشرك المدارس والجامعات في التوعية الأمنية.وتضع وزارة الدفاع الفنلندية نماذج تفصيلية لكل مؤسسة عن دورها في حالة نشوب أزمة وطنية.
3.إسرائيل: إدارة الجبهة الداخلية كجزء من العقيدة
أقامت إسرائيل قيادة متخصصة لإدارة الجبهة الداخلية، تربط بين المستشفيات، والبلديات، والإعلام، وخدمات الطوارئ، بالتنسيق مع الجيش.وتُشرك المدنيين في خطط التعبئة، وتُجري تدريبات وطنية سنوية على "محاكاة الحرب"، تدمج فيها المدارس، مؤسسات البنية التحتية، والمواطنين، في خطة استجابة شاملة (Israel Home Front Command, 2022).
4.سنغافورة: تجنيد وطني وتكامل تقني–مدني
تمزج سنغافورة بين الخدمة الوطنية الإلزامية والاستعداد التكنولوجي العالي، حيث تدمج بين الجيش، وشركات التقنية، والمؤسسات الصحية، وتملك خطط طوارئ متكاملة لإدارة الكوارث والتعامل مع الهجمات السيبرانية.
رابعًا: الحالة العراقية – قيادة العمليات المشتركة كنموذج وطني
يمتلك العراق تجربة نوعية في إطار الاستجابة الأمنية–الوطنية من خلال قيادة العمليات المشتركة، والتي أنشئت لتنسيق جهود القوات المسلحة والأمنية في مواجهة التحديات الكبرى، خصوصًا في الحرب ضد الإرهاب بعد 2014.وقد لعبت هذه القيادة دورًا مهمًا في دمج جهود وزارات الداخلية، الدفاع، والأجهزة الاستخبارية، وأظهرت مرونة في إدارة المعارك الميدانية وتعزيز التنسيق بين مختلف المستويات.
ورغم الطابع العسكري–الأمني للقيادة، إلا أن تجربتها تُعد مدخلًا مهماً لإمكانية بناء نموذج عراقي مستقبلي يقوم على تكامل وظيفي أوسع يشمل المؤسسات المدنية، لاسيما في مجالات الصحة، الدفاع المدني، والاتصالات، في حال تم تطوير الهيكل المؤسسي والربط التشريعي اللازم لذلك.
خاتمة واستنتاجات
لقد تجاوزت العقيدة الدفاعية في زمننا حدود المعسكرات والثكنات، لتصبح قضية وطنية شاملة تتقاطع فيها الجوانب الأمنية، الاقتصادية، السيبرانية، والاجتماعية.وتُشير التجارب الدولية إلى أن بناء منظومة دفاعية فاعلة يتطلب دمج المدني والعسكري في بنية واحدة، مرنة، مدروسة، ومتواصلة.
وفي السياق العراقي والعربي الأوسع، تُمثل قيادة العمليات المشتركة خطوة أولى مهمة في هذا الاتجاه، ويُعد تطويرها باتجاه نموذج متكامل يشمل الطاقات الوطنية المدنية والمؤسسية أحد مفاتيح تعزيز الأمن القومي على المدى البعيد.
المصادر
1. وزارة الدفاع البريطانية (2022). العقيدة الدفاعية البريطانية – وثيقة العقيدة المشتركة JDP 0-01. ترجمة غير رسمية.
2. باري بوزان (2007). الشعوب، الدول، والخوف: أجندة لدراسات الأمن القومي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ترجمة: المركز القومي للترجمة – القاهرة.
3. مركز الدراسات الاستراتيجية – الأردن (2021). مفهوم الأمن الشامل والتكامل المدني–العسكري في مواجهة التهديدات المعاصرة.
4. مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية – العراق (2020). أمن الدولة وإعدادها للدفاع: الرؤية العراقية المعاصرة.
5. جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية (2018). التكامل بين المؤسسات الأمنية والمدنية في إدارة الأزمات. الرياض.
6. الهيئة الوطنية للدفاع الفنلندي (2019). الدفاع الشامل: تجربة فنلندا في تعبئة المجتمع.
ترجمة غير رسمية لملخصات صادرة عن وزارة الدفاع الفنلندية.
7. المعهد الكوري لتحليل الدفاع (KIDA). (2020). الدفاع الوطني متعدد المستويات في كوريا: تكامل الاستجابة بين المؤسسات – تقارير تحليلية مترجمة.
8. معهد دراسات الأمن القومي – تل أبيب (2020). مفهوم الأمن الشامل في إسرائيل وتحديات الجبهة الداخلية – ملخص مترجم.
9. الورقة البيضاء للدفاع الوطني – سنغافورة (2020). التجنيد، التكنولوجيا، والتكامل الدفاعي في سنغافورة. ترجمة غير رسمية متوفرة في تقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS – فرع الشرق الأوسط .
10. مركز البيان للدراسات والتخطيط – بغداد (2021). الأمن الوطني العراقي: التحديات والفرص













