اللواء الركن المتقاعد
الدكتور عماد علو الربيعي
باحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية
المقدمة
شهدت قاعدة مشاة البحرية كوانتيكوMarine Corps Base Quantico))، بولاية فرجينيا بتاريخ 30 أيلول سبتمبر 2025، خطابا" تاريخيا" مهما" لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث (Pete Hegseth)، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استمع اليه أكثر من (800) جنرالا" من جنرالات الجيش الأمريكي، أعلن فيه عن ملامح الاستراتيجية العسكرية الامريكية في ضوء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغير أسم وزارة الدفاع الى وزارة الحرب في 6 أيلول/ سبتمبر 2025، الذي ترتب عليه تغييرات جذرية قادها هيغسيث، داخل "البنتاغون"، من بينها تقليص عدد كبار القادة بنسبة 20%، وإقالة قادة كبار دون توضيح الاسباب، إضافة الى أوامر طالت المظهر الخارجي للضباط والمنتسبين مثل قص اللحى وغير ذلك، فضلا" عن توجيه المؤسسات الفيدرالية إلى اعتماد عنوان(وزارة الحرب)، ومطالبة الكونجرس باتخاذ الإجراءات اللازمة لتثبيت العنوان قانونيًا. كل ذلك يشير الى تغيرات جوهرية في العقيدة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة، ويضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل الأمن والاستقرار في مناطق النزاع، وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط، مما يؤكد، تغيير كبير وواضح في الاستراتيجية الأمريكية ودورها في العالم، خلال المرحلة المقبلة، باعتبارها قوة مسؤولة عن تحقيق السلام من خلال الحرب والهيمنة، في سياق الاستراتيجية الشعبوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب (أمريكا أولا"America First).
من هو وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث (Pete Hegseth)؟
ولد بيتر بيريان هيغسيث، في 6 حزيران / يونيو1980. وهو ثاني أصغر شخص يشغل منصب وزير الدفاع، بعد دونالد رامسفيلد، وهو ضابط سابق في الحرس الوطني الأميركي ومقدم برامج في شبكة «فوكس نيوز» أمريكي، يشغل منصب وزير الدفاع الأمريكي المعين في الولاية الثانية لدونالد ترامب. عمل معلقاً سياسياً في قناة فوكس نيوز منذ عام 2014 وشارك في تقديم برنامج "فوكس والأصدقاء" في عطلة نهاية الأسبوع من عام 2017 إلى عام 2024، وكان سابقاً المدير التنفيذي لمنظمة "أطباء بيطريون من أجل الحرية" و"قدامى المحاربين المهتمين من أجل أمريكا.
إخفاق العقائد العسكرية الامريكية
حاول وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في خطابه في قاعدة مشاة البحرية كوانتيكو تسويق مشروعه أو برنامجه الهادف الى، معالجة إخفاق عقائد قتال الجيش الأمريكي في هزائم جيوستراتيجية، وانتكاسات تكتيكية؛ ليس فقط في العراق وأفغانستان ضمن أمثلة مباشرة صريحة، بل حتى في ليبيا وسوريا ضمن أخرى أقلّ وضوحاً، وفي قطاع غزة واليمن وإيران، رغم التخصيصات المالية الضخمة لميزانية وزارة الحرب الراهنة لتسويق فكرة أو حلم الرئيس ترامب عن الهيمنة الامريكية في الالفية الثانية، من خلال وإذكاء نيران الحروب والإبادات الجماعية. كما شكل خطاب بيت هيغسيث المثير للجدل إعادة صياغة دور الجيش الأمريكي داخليًا وخارجيًا، ورسم حدود جديدة بين السياسة والقوات المسلحة الامريكية والادعاء بأنه ورئيسه الذي كان يستمع له سوف يحدث انقلابًا ثقافيًا وسياسيًا قد يغير طبيعة العلاقة بين الجيش والمجتمع الأمريكي.
مؤشرات تنظيمية
من الجدير بالذكر أن محاولة وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في التنظير لعقائد قتالية جديدة للقوات المسلحة الامريكية سبقتها إجراءات تمثلت بمجموعة تغييرات شاملة في الجيش، كان من أبرزها إعادة تسمية وزارة الدفاع لتصبح “وزارة الحرب”، وذلك بهدف التركيز على القوة العسكرية والأدوار القتالية التقليدية، كما تضمنت تغييرات كبيرة في، هيكلية الوزارة نفسها، ومراجعة وتعديل السياسات الداخلية للجيش، ووضع معايير جديدة صارمة للقيم القتالية، انطلاقا" من فكرة أن الجيش ليس مجرد مؤسسة دفاعية، بل أداة استراتيجية تمتلك القدرة على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية على حد سواء، والجاهزية الدائمة للحرب في أي سيناريو. ومن ضمن المؤشرات التنظيمية التي ركز عليها وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في خطابه الإعلان عن مراجعة شاملة لتعريفات “القيادة السامة، والتنمر والتحرش” لتمكين القادة من فرض الانضباط دون خوف من العقاب أو المراجعة.
أبعاد رمزية أم متغيرات استراتيجية
من المهم الإشارة الى أن خطاب وزير الحرب الأمريكي، عكس الطبيعة الديناميكية المرنة للعقيدة العسكرية الأمريكية، وان التغيرات التنظيمية والسياسية التي يحاول تطبيقها ما هي الا استجابة لطبيعة التغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية، ومحاولة لتغيير النهج العسكري، بما يتضمّنه من آليات التسليح والانتشار، لمواجهة التطورات الاستراتيجية والأمنية الجديدة، والتحديات الأمنية المستجدة والتي تعرقل أو تعيق الهيمنة العسكرية الاستراتيجية الامريكية، وهي في أبعادها الرمزية تعبر عن متغيرات استراتيجية تفرض على قوات الولايات المتحدة الامريكية الاستعداد عالي المستوى للحرب في ساحات حرب يجري اعدادها في الوقت الراهن، وأعتقد أن الشرق الأوسط، أهمها وأولها. حيث أن المتغيرات الجيوستراتيجية السريعة التي عصفت بالشرق الأوسط، قد تكون قد فرضت على الجيش الأمريكي أن يدرك جيداً ما يتعلّق بإعادة تعلم كيفية القتال في منطقة الشرق الأوسط التي تتعاظم فيها مشاعر الرفض والكراهية للدور الأمريكي في ما يتعلق بمصالح وتطلعات شعوب دول الشرق الاوسط.
الخلاصة
تسعى إدارة الرئيس ترامب استنادا" الى استراتيجيته الشعبوية إعادة صياغة العقائد العسكرية الامريكية، والتحول من (الدفاع)، إلى (الحرب)، وتبني نهج هجومي دائم، يبرر التحرك العسكري الأمريكي خارج إطار التهديد المباشر، ويرفع الحرج السياسي والأخلاقي عن التدخلات الخارجية، التي تتطلبها الهيمنة العسكرية الامريكية لفرض إرادتها، على المستويات الدولية والإقليمية.
ان الحشد العسكري الأمريكي البري والجوي والبحري في منطقة الشرق الأوسط، يجعلها من أكثر المناطق احتمالا" للتأثر بالنهج الهجومي الامريكي، الذي سوّق له وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في خطابه الأخير يوم 30 سبتمبر/ أيلول 2025، في قاعدة مشاة البحرية كوانتيكو.













