"عن اللغة مرةً اخرى"

بقلم د. شاكر كتاب تشرين1/أكتوير 12, 2025 604


"عن اللغة مرةً اخرى"

 

كل لغة ما عدا التعبير العلمي والادبي والمختص هي خزين بدلالات نفسية تتراوح بين الانفعالات الايجابية كالحب والاحترام والمودة وأمثالها وبين الأمراض كالحقد والكراهية والسادية. المفردات في هذين المجالين ممكن ان تكون صريحة مباشرة او ان تكون مغطاة ومواراة بمفردات غيرها لإخفائها والإيهام بغير معانيها. لكن القاريء او المستمع والمتلقي الحصيف بشكل عام يسبر أغوار هذه الأغطية ويغوص إلى معانيها حتى لو كان الغطاء سميكاً. احدى اهم سبل الاختراق اللغوي هذا هو علم الدلالة الذي يسمى بالإنكليزية semantic والذي مهمته الكشف عن الدلالات اللغوية المعجمية المباشرة وصولاً إلى الخفية غير المرئية. نستفيد هنا من علمين اثنين متلازمين وملازمين للغة، لأية لغة: الترادف والجناس بنوعيه لكن يتدخل ، وغالباً ما يتدخل هنا، علم التأويل الذي قد يوظفه البعض لمآربه عن طريق شيطنة النصوص. ومهما يكن من امر فان المفردة الواحدة لها معانٍ عدة: المعنى المعجمي ، المعنى الدلالي ، المعنى السياقي وغيرها. صحيح ان السياقي يؤدي الدور الأكثر حسما في التفسير لكنه مهما كانت متانته يتراجع امام المعنى الدلالي الذي يبقى في يده التأويل النهائي. نظرية التأويل رافقت تفسيرات القران الكريم عند المعتزلة والمتكلمين وعند الفيلسوف العربي الكبير ابن رشد في الأندلس وكذلك الفارابي واستمرت حتى يومنا هذا. لكنها حققت منجزاتها الكبرى على يد الفلاسفة الغربيين ايضا لاسيما الوضعيون منهم. فإذا كانت المعاني المعجمية تتعلق بالصلة المباشرة بين الكلمة المفردة وما يعادلها في الواقع الموضوعي فان المعنى السياقي يبتعد بها مسافات عن المعجمي ثم ياتي المعنى الدلالي لنكتشف من خلاله كم هذه المفردة مشحونةً بالرموز والمعاني وهي في مكانها هذا بالتحديد. هذه المنطقة من اللغة هي البوابة التي دخل منها الفلاسفة منذ عهد اليونان القديمة إلى فلاسفة عصرنا الحالي. لنأخذ مثلاً كلمات مثل الكهف والظل عند أفلاطون وكلمة الوجود عند ارسطو ثم العقل عند ديكارت وكلمة الاله عند سبينوزا والإنسان الخارق عند نيتشه بعد إعلانه عن "موت الاله". اما عبارة وحدة الأضداد مثلاً في الفكر الماركسي فهي الدليل الأشد وضوحا على ضرورة التفسير الدلالي للكلمة. وهنا يكمن مفتاح خطير لإشكالية كبرى لم تحسم بعد: العلاقة بين اللغة والفكر. لكن هذا الأمر يحتاج إلى وقفة منفصلة اطول سأتود اليها قريباً ان شاء الله.

د. شاكر كتاب

قيم الموضوع
(3 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه