" أصعب الأشياء في الحياة هي البدايات "

بقلم أزهار الأنصاري تشرين1/أكتوير 13, 2025 409

أزهار الأنصاري / العراق

في الحياة ليست النهايات وحدها التي توجع ولا المحطات المتأخرة هي الأكثر كلفة ، غالبًا ما تكون البدايات تلك اللحظة الأولى التي دخلنا فيها تجربة ما أو فتحنا فيها قلوبنا أو خطونا أول خطوة في طريق لم نكن نعرف ملامحه، هي الأصل في كل شيء وهي التي تملي علينا لاحقًا أشكال الحزن وطرق التراجع ودرجات الحماقة التي سندفع ثمنها لاحقًا من مشاعرنا وأعصابنا وكرامتنا ، البدايات خطرة لأنها دائمًا تغطى بطبقة من الاندفاع والإعجاب والحماس والانبهار وحتى الغباء المؤقت ، البدايات لا تعطينا إشارات كافية على ما سيأتي لاحقًا لكنها تغرينا تزيّن لنا الطريق ، تجعلنا نظن أن الأمور ستظل على نفس السلاسة وأننا لن نندم لكن الحقيقة الأكثر مرارة هي أننا غالبًا ما نخطئ في تقدير البدايات، وفي الحياة كل حماقة كبرى لها بداية صغيرة تجاهلنا فيها قلقنا الداخلي أو أسكتنا صوت الحدس أو ألبسنا الواقع ثوبًا من التمنّي ، البداية ليست مرحلة ، إنها قرار ما يبدو أنها لحظة بريئة مثل قبول علاقة جديدة أو بدء صداقة أو التورط في مشروع أو حتى الانتقال إلى مدينة غريبة قد يتحول لاحقًا إلى سلسلة من القرارات الموجعة فقط لأننا لم نحترم رهبة البداية ، نبدأ ونحن نحمل تصورات رومانسية وآمالاً مضخّمة نظن أن النقاء كافٍ والنية الطيبة ستحمينا ، لكن الحياة لا تحترم الطيبين بقدر ما تحترم الواعين ، كل بداية غير واعية هي تمهيد لحماقة مؤجلة ، حين نبدأ من دون أسئلة كافية من دون وعي من دون أن نتأمل جيدًا دوافعنا نكون قد قدّمنا أرواحنا على طبق من سذاجة ووضعنا قلوبنا في جيوب المجهول ، لأننا لا نتقن البدء نتقن الندم ولا نعرف كيف نبدأ ، نبدأ بعجلة بعاطفة بلا شروط واضحة بلا خريطة نجاة إن ساءت الأمور ، ولهذا لا نستغرب حين نجد أنفسنا لاحقًا نعضّ على أصابع الندم ، ندم على علاقة لم يكن علينا أن ندخلها، ندم على مشروع لم نكن مستعدين له، ندم على منح الثقة لمن لا يستحق، ندم على بداية لم نكن نحن فيها، كنا مجرد ظلّ لنسخة حالمة ، البداية الخاطئة لا تنجب نهاية سعيدة انما تزرع ألمًا نضطر لمداواته طوال الطريق ، وبين السذاجة والحكمة البدايات تختبرنا ،كل بداية هي امتحان أخلاقي وعاطفي وعقلي هل سنصغي لحدسنا؟ هل سنغضّ الطرف عن إشارات التحذير؟ هل سنجامل قلقنا الداخلي باسم الحب؟ هل سنبرّر أخطاء الطرف الآخر باسم التفاهم؟ هل سنضحك على أنفسنا ونقول ستتحسّن الأمور مع الوقت ،الحقيقة أن الأمور لا تتحسّن بل تتعقّد ،العيوب التي تجاهلتها في البداية ستبنى عليها حماقات أكبر والتجاهل الأول سيصبح اعتيادًا والصمت الأول سيصبح إذعانًا.
البدايات ليست عابرة إنها البنية التحتية لكل شيء، حين نبدأ دون أن نحترم حجم البداية نبني بيتًا بلا أساس وحين نسمح للعلاقة أن تبدأ دون وضوح نكون قد قدّمنا أنفسنا للتلاعب، وحين لا نرسم حدودنا من اللحظة الأولى نصبح فريسة للاختراق المستمر.
الذي لا يعرف كيف يبدأ سيبقى يدفع ثمن أخطائه في كل محطة لاحقا ولكن، هل البدايات كلها خاطئة؟ لا ، البدايات التي تبنى على الوعي على الإدراك على احترام الذات على إدراك أننا نستحق الأفضل تكون مختلفة، حين تبدأ وأنت تعرف من أنت وما الذي تريده وما الذي لن تقبله تكون قد منحت نفسك فرصة حقيقية لنجاة لاحقة.
البداية الذكية لا تعني التصلّب تعني الوضوح لا تعني الشك، تعني الحذر المشروع لا تعني أن نغلق القلب ، تعني أن نبقي أعيننا مفتوحة ونحن نحب ، النهاية تبدأ من حيث بدأت ، في النهاية نقف على أطلال كل حماقة ارتكبناها ونكتشف أنها بدأت بلحظة لم نعطِها حقها ، لم نكن نحن حين بدأنا، كنا فقط نسخة حالمة تتمنى الخير للجميع وتنسى أن تحمي نفسها من الجميع، فليكن درسك التالي في الحياة لا ان تبدأ أي شيء إلا وأنت تعرف كيف ستخرج منه إن اضطررت، لا تمنح قلبك إلا حين يقنعك العقل ولا تضع أول خطوة قبل أن ترى الطريق لا قبل أن ترى من معك فيه. أصعب الأشياء في الحياة هي البدايات لأن كل ما يأتي بعدها لا يبنى من فراغ بل من أساس هش أو متين غرسناه نحن بيدينا، ولأن البدايات تشبه البذور فإما أن تزرعها بعناية وتنبت خيرًا أو تهملها وتثمر وجعًا ،فاحترم البدايات لأنك إن لم تفعل ستقضي عمرك تصلح ما أفسدته لحظة تهوّر وتلملم ما تبعثر من قلبك تحاول أن تقنع نفسك أن البداية ما كانت تستحق كل هذا لكنها كانت تستحق .

قيم الموضوع
(7 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه