بهاء زهير أحمد القيسي
تُعد رواية دكتور جيكل ومستر هايد للأديب الإنجليزي روبرت لويس ستيفنسون مختصرًا لحالة الإصابة بـ اضطراب الهوية التفارقي، حيث يعيش الصالح والطالح، والطيب والشرير في ذات الشخص. ويعتقد الكثير من المختصين في علم النفس أن ستيفنسون هو أول من قدّم حالة مرضية نفسية لها تداعيات في حياة الفرد ومجتمعه، وهي الإصابة بانفصام الشخصية، ولكن بصيغة أدبية مشوّقة للجمهور.
هل نحن أمام مرضٍ نفسي لا نملك من أصابه اختياره، أم هو سلوك اجتماعي مقصود كمنهجٍ لبعض الأفراد؟ ولكي نجد بعض الإجابات لهذا التساؤل، سنستعرض نماذج ونتعرّف عليه عن قرب لبيان المقصود.
وبغير بعيدٍ عن الموضوع وفي السياق نفسه، قدّم لنا المخرج عاطف الطيب والكاتب وحيد حامد فيلمهما الشهير والمهم ( البريء)، الذي يحمل أكثر من فكرة من حيث مناقشته للحرية بمعناها الشامل، وعن قمعها من خلال جهل الأبرياء.
ومن بين كل ذلك، تبرز إحدى أهم الشخصيات الرئيسة في الفيلم، وهي شخصية العقيد توفيق شركس،، اسم الشخصية التي جسّدها ضابط المعتقل وأداها ببراعة الفنان محمود عبد العزيز يظهر لنا في أول مشاهد الفيلم كيف يكون حال وسلوك العقيد شركس في الحياة المدنية؛ إذ يبدو كشخصية ودودة عطوفة، يبحث عن الأشياء الجميلة في محلات لعب الأطفال ليهديها إلى ابنته في عيد ميلادها، وإلى الأطفال الذين معها. وهذا ما يوحي للمشاهد بكمّ الطيبة والدفء الإنساني الذي يحمله، وبمشاعر الطفولة البريئة وشفافيتها.
وبينما تستمر الأحداث التي ترسم الصورة الطيبة، يظهر شركس في مشهد آخر مقصود، يبيّن فيه الكاتب أنه ركن سيارته في مكان غير مسموح أو تأخّر في الوقوف، فأخذ يستسمح الشرطي بكل ودّ، ولم يستأسد عليه لكونه ضابطًا. ليُظهر مدى تقبّله للآخر واحترامه لخصوصية عملهم، والتزامه بتطبيق الأنظمة والقوانين، دون أن يسمح لنفسه بتجاوزها، حتى وإن كانت بسيطة، فيقدّر عمل الآخرين ويحترمه.
وفي مشهدٍ لاحق نرى شركس بين أسرته في حفل عيد ميلاد ابنته، يقوم بأداء ألعابٍ سحرية لتسلية الأطفال، ويغنّي معهم ناشرًا أجواء البهجة والاستمتاع بحياته العائلية.
لكن ما إن يعود إلى عمله كضابط في أحد المعتقلات الصحراوية النائية المخصّصة لتغييب أصحاب الفكر الحر، حتى نرى الوجه الآخر لشركس؛ إذ يمارس التعذيب الوحشي بشخصية سادية تستمتع بإذلال الناس لتلك
الشخصية الشريرة التي تمثل الجزء المظلم والوحشي المختبئ خلف قناع اللطف الظاهري، في جسدٍ واحد.
لم يكن شركس ولا غيره نهاية لسلسلة الأمراض البشرية، التي تفاقمت مع تعقّد العلاقات الإنسانية وازدياد الضغط العصبي الناتج عن نمط الحياة العصرية، فصار الإنسان يبتكر حِيلاً نفسيه لتخفيف كوابحه وضغوطاته.
وهناك أنماط أخرى من الشيزوفرينيا الاجتماعية المرضية، مثل الشخص الذي يغيّر سلوكه بشكلٍ ملحوظ حسب المكان أو الأشخاص الموجودين. ويمكن أن نطلق عليه عدة تسميات بحسب نية التغيير ودرجته وسياقه فقد نسميه انتهازيًا إن كان يغيّر سلوكه بدافع المصلحة الشخصية، مثلاً لذلك حين ما يتصرف بلطف أمام مديره بينما يتعجرف مع زملائه. أما المتلون فهو من يبدّل مواقفه وسلوكياته باستمرار حسب المواقف دون وضوحٍ في شخصيته وهي دلالة سلبية توحي بعدم الثبات أو ببساطة يدعىٰ النفاق الاجتماعي.
وتُختصر الازدواجية سلوكيًا فيمن يتصرّف بطريقةٍ في العلن، وأخرى مغايرة في الخفاء، أو من يكون صارمًا في البيت ومنفلتًا خارجه.
ولم يصنّف علماء النفس صاحب الشخصية البراغماتية كمزدوج الشخصية أو ذا علّةٍ نفسية، بقدر ما يكون متحوّلًا يتكيّف مع المواقف بما يناسبه عمليًا، لكن ليس بالضرورة سلبيًا.
وقد تتعارض بعض التسميات من حيث التعريف في بعض الحالات التشخيصية الاجتماعية، مثل سلوك المتأقلم، إذا كان التغيير نابعًا من الذكاء الأجتماعي والقدرة على التكيّف دون فقدان المبادئ، فيُوصف حينها بأنه شخص اجتماعي بارع وذو ذكاء عاطفي مرتفع. أما إذا كان التغيير بدافع النفاق أو المصلحة، فيُقال عنه متلون أو انتهازي.













