" حين تتنازع الأحلام والظروف "

بقلم أزهار الأنصاري تشرين1/أكتوير 30, 2025 431

أزهار الأنصاري

أحلامنا تريد وظروفنا ترفض ..

هكذا يكتب على صفحة الصراع الأبدي في داخل كل إنسان، كأن الحياة خلقت على هيئة شدٍّ بين جناحين، أحدهما يحاول الطيران نحو النور والآخر يثقل بالواقع حتى الأرض.
نحلم لأن فينا نزعة الخلق الأولى، تلك التي جعلت الإنسان يرفع رأسه إلى السماء وهو يعلم أن أقدامه مغروسة في التراب، نحلم لأن الحلم وعد مؤجل بالحرية، مساحة نتنفس فيها خارج حدود الممكن لكننا نصحو كل يوم على صوت الظروف، ذلك الصوت الخشن الذي لا يرحم عاطفة ولا يلتفت إلى نبضٍ صغير يريد أن يعيش بطريقته.
الظروف لا تعرف لغة القلب، إنها تتحدث بلغة الالتزامات والمصالح والضرورات، تخبرك أن الوقت غير مناسب وأن المال لا يكفي والطريق محفوف بالمخاطر وما تريده لا يشبه ما يسمح لك به وهكذا تبدأ المساومة الصامتة بين ما في داخلك من اشتعال وما حولك من برود.
نعيش بين جملتين متناقضتين "أريد" و "لا أستطيع" ، كلما امتد الحلم أمامنا كضوءٍ بعيد جاءت يد الواقع لتطفئه بحجر من منطق جاف ، وفي كل مرة نحاول فيها أن نتمسك بأحلامنا نخسر شيئًا من استقرارنا، من راحة من يحبوننا، من إحساسنا بالأمان فنختار الصمت ونخفي الرغبة ونتظاهر بالرضا بينما في داخلنا شيء يئن لأن الحياة تمضي دون أن تشبهنا.
كم من حلمٍ وُئد لا لأنه ضعيف ، لأن صاحبه وضع في زمان لا يليق به ، وكم من روح خلقت لتبدع لكنها قيّدت بحسابات لم تكن يومًا من صنعها وكم من قلب تاق للحب لكن ظروفًا قاسية جعلت الحنين جرمًا لا يُغتفر .
الأحلام لا تموت لكنها تنكمش داخلنا حتى تصير حنينًا ساكنًا ثم تذوب في تفاصيل الحياة اليومية كملحٍ في الماء ، تظل هناك لا ترى لكنها تمنحنا المذاق المائل للمرارة كلما فكرنا كيف كانت حياتنا ستكون لو أن الظروف فقط سمحت؟
الظروف ليست دائمًا عدوًا لكنها امتحان دائم لصدق الرغبة، أحيانًا ترفض لتختبر مدى إصرارنا وأحيانًا ترفض لأنها تعلم أن ما نحلم به سيكسرنا قبل أن يسعدنا غير أن الإنسان في كل الأحوال سيبقى كائنًا يتأرجح بين حلمين ، حلمٍ يطلبه بعنف وحلمٍ يدفنه بخوف ، وفي نهاية الطريق لا نحاسَب على ما لم نحصل عليه وإنما على ما توقفنا عن الإيمان به، فالظروف قد ترفض لكنها لا تملك أن تطفئ تمامًا رغبة الروح في أن تحيا كما تشتهي، كل ما في الأمر أننا نتعلم أن نخفي الضوء في داخلنا حتى يأتي زمن يسمح له بالظهور دون خوف.
وهكذا تمضي حياتنا بين "أحلام تريد" و"ظروف ترفض"، نحاول أن نبقي شيئًا من الحلم حيًا ولو في قلب يختنق لأن من لا يحلم لا يعيش حقًا وإنما يكتفي بأن ينفّذ ما سمحت به الظروف دون أن يسأل نفسه يومًا " أين كنتُ أنا وسط كل هذا الامتثال؟ "

قيم الموضوع
(3 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه