الكاتب - بهاء زهير أحمد القيسي
العراق -بغداد
لم تكن الأخيرة، إنما كانت امتدادًا ثقافيًا، اجتماعيًا، فولكلوريًا لرمزية حب قديمة أنتقلت في جيناتنا حينما غنّت المطربة العراقية زهور حسين في مطلع الستينيات من القرن الماضي أغنيتها المشهورة:
سلمى يا سلامة خنتِ العهد وياي والليل ما أنامه، يشهد عليه غطاي.
والسبب كان في اسم (سلمى) الذي يشير دومًا إلى دلالات الاستخدام الرمزي في نصوص الأدب العربي، شعره ونثره وغنائه. فقد أصبحت أسماء ليلى وسلمى ولبنى – على سبيل المثال – رموزًا للحب والعشق عند الشعراء على مرّ العصور، لذا صارت أقرب إلى الاستخدام المقصود والتوظيف المعبّر في الكتابة الشعرية والأدبية في تاريخها. إذ تحوّل هذا الاسم، دون غيره، إلى تقاطعات نصية ودلالات معينة.
في البداية: ماذا يعني اسم سلمىٰ في معجم اللغة العربية كما جاء في معجم المورد.
سَلْمَى: (اسم)، جمع سَليم. هي شجرٌ تُدبغ مادته، وتكون غالبًا من العظام. كما تعني السليمة من كل سوء، الناجية من الهلاك، المعافاة من العيوب والأخطاء. سلمى: السالمة من الأذى.
اسم علم مؤنث، تصغيره سُلَيْمَى، ومذكره سَلْمان، وتصغيره سُلَيْمان.
سلمى.. معشوقة الشعراء
من أبرز من افتتن بـ سلمىٰ شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وحكماؤها، مثل امرئ القيس والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سُلمى.
فقد اشتهر امرؤ القيس بقصائده العديدة التي ذكر فيها اسم سلمى، وهي محبوبته، وقال فيها أشهر قصائده التي تصف شوقه وتجواله في طلبها، وكيف وصل إليها في النهاية:
أمِنْ ذكرِ سلمى أن نأتْك تَنوصُ فتقصرُ عنها خُطوةً وتبوصُ وكم دونها من مَهْمَهٍ ومفازةٍ وكم أرضِ جَدْبٍ دونها ولصوصُ.
وفي قصيدة أخرى له، وهي من روائع فصاحته اللغوية واستخدامه للكلمات المتشابهة في اللفظ والمختلفة في المعنى، قال:
فهي هي وهي هي ثم هي هي وهي وهي * منى لي من الدنيا من الناس بالجمل ألا لالا إلا ليء لا بث * ولا لالا إلا لآليء من رَحَل فكم كم وكم كم ثم كم كم وكم وكم * قطعت الفيافي والمهامة لم أمل وكاف وكفكاف وكفي بكفها * وكاف كفوف الودق من كفها انهمل فلو لو ثم لو لو ولو ولو * دنا دار سلمى كنت أول من وصل وعن عن وعن عن ثم عن عن وعن وعن * أسائل عنها كل من سار وارتحل وفي في وفي في ثم في في وفي وفي * وفي وجنتي سلمى أقبل لم أمل وسل سل وسل سل ثم سل سل وسل وسل * وسل دار سلمى والربوع فكم أسل وشنصل وشنصل ثم شنصل عشنصل * على حاجبي سلمى يزين مع المقل.
زهير بن أبي سُلمى (520م – 609م)
ذكر زهير في شعره اسم سلمىٰ أيضًا، فقال:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يَسلو وأقفر من سلمى التعانيق والثِّقل وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا على صير أمرٍ ما يمرّ وما يحلو وكنت إذا ما جئت يومًا لحاجةٍ مضت وأجَمَّت حاجة الغد ما تخلو.
ومن الجدير ذكره أن عائلة زهير كان أغلبها من الشعراء؛ فأبوه أبو سلمى كان شاعرًا، وأخته سلمىٰ كذلك، وخاله أوس بن حجر، وأخته الأخرى الخنساء وهي شاعرة مشهورة وابنة لخاله أوس بن حجر. أما ابناه كعب وبُجير فكانا شاعرين أيضًا، وقد اشتهر كعب بن زهير في العصر الإسلامي.
اسم سلمىٰ في قصص الحب العذري في الجزيرة العربية
تُعد قصة (أجا وسلمى) من أشهر ما يُذكر في حكايا الحب العذري، وقد سبقت كثيرًا من هذا النوع من سير العشق. يُذكر أن الاثنين عاشا قصة حب عاطفية وكانا من قبيلتين منفصلتين، مما تسبب في التوتر بين القبيلتين. وفي نهاية المطاف، رُفض الاعتراف بعلاقتهما، مما دفع أجا وسلمى إلى الهرب.
وتشير روايات أخرى إلى أن إخوة سلمى لم يسمحوا لأجا بطلب يدها للزواج، فيما تقول رواية أخرى إن الرفض جاء مباشرة من والديهما. وفي جميع الروايات، يُقتل كل من سلمى وأجا بشكل مأساوي؛ أحدهما فوق الجبل الواقع جنوب حائل، والآخر على قمة الجبل إلى الشمال.
وتقع جبال سلمىٰ في منطقة جبلية واسعة جنوب شرقي حائل بالمملكة العربية السعودية، وتبدأ حدودها من الجزء الشمالي الشرقي من المدينة إلى الجزء الجنوبي الغربي منها.
سلمىٰ عنوانًا أدبيًا
أُخذ اسم سلمىٰ عنوانًا لكثير من الروايات والمجموعات القصصية؛ بعضها كان مقرونًا بوصف آخر، وبعضها جاء منفردًا.
منهامجنون سلمىٰ للكاتب الكردي السوري جان دوست.أسمي سلمىٰ للكاتبة الأردنية فادية الفقير.
سلمىٰ والوطن للكاتب الفلسطيني إبراهيم سليمان جرّار.
رسالة سلمىٰ للروائية التركية أمينة شبينلك أوغلو.
أما كعنوان مفرد (سلمىٰ) فقد أستخدمه عدد من الكتّاب، منهم المصري أحمد الصايغ، والكاتبة السعودية هدى عبد الرحمن، والسعودي غازي عبد الرحمن القصيبي، والكاتب الأردني عبد الله علي العجوري، والروائية المصرية هناء حسين.
لمحات عن اسم سلمىٰ في الأديان السماوية
حملت اسم سلمىٰ العديد من الصحابيات في الإسلام والسلف الصالح، منهن:
سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد أم أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – وتُكنّى أم الخير. أسلمت قديمًا في دار الأرقم.
سلمى بنت عميس الخثعمية: أسلمت وبايعت الرسول ﷺ على السمع والطاعة. وهي أخت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – وكانت زوجة حمزة بن عبد المطلب، فولدت له عمارة (وقيل فاطمة).
سلمى بنت قيس الأنصارية: أم المنذر، من خالات النبي ﷺ من جهة أبيه، صلّت إلى القبلتين وبايعت بيعة الرضوان.
سلمى أم رافع: خادمة النبي ﷺ.
وتُشتق سالومة في اللغات السامية من شالوم أو سلام أو سلمىٰ بالعربية، وتعني السلام، القداسة، والعدل. وسالومة من أشهر من حملن الاسم في العهد الجديد، إذ كانت من أتباع يسوع المسيح، وذُكرت في الأناجيل الأربعة، وهي والدة اثنين من تلاميذه الاثني عشر: يوحنا بن زبدي ويعقوب بن زبدي، وربما كانت شقيقة مريم العذراء والدة يسوع.
أخيرًا وليس آخرًا
وفي ختام حديثنا، الذي حاولنا فيه أن نجمع ما ورد عن اسم سلمىٰ من أخبار ومن أشهر من حمله واين ذكر في شعر العرب وأدبهم، نستشهد بما قاله القلقشندي (821هـ / 1418م) في كتابه نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب
إن غالب أسماء العرب منقولة عما يدور في خزانة خيالهم مما يخالطونه ويجاورونه.












