عماد آل جلال
في كل دورة انتخابية، يُعيد العراق اختبار نفسه أمام المرآة. لكنّ مشهد انتخابات 2025 يختلف بملامحه وتفاصيله عن كل ما سبقه. هذه المرة، لا يدور التنافس حول الشعارات الطائفية ولا التحالفات المتكلسة، بل حول سؤال أعمق: هل تغيّر وعي الناخب بما يكفي ليغيّر معادلة السلطة؟
ما يلفت أولاً هو تنوع القوائم الانتخابية؛ فـ«تحالف الإعمار والتنمية» للسوداني مثلاً، ضمّ مرشحين من أطياف ومناطق مختلفة، ليس كزينة رمزية، بل كمحاولة لاستعادة فكرة الدولة الجامعة. مثل هذا التنوع يعكس إدراكا متأخرا بأنّ المجتمع العراقي لا يمكن أن يُدار بعقلية التقسيم، وأنّ السياسة لا تعيش طويلاً على صدى الولاءات القديمة.
لكنّ الحماس الشعبي لم يبلغ بعد ذروته. الشارع ما زال حذرا، متردداً بين الرغبة في التغيير والخشية من تكرار الخيبات. الحملات الانتخابية تبدو نشطة، والإعلام مشتعِل، غير أنّ التجاوب الواقعي في مراكز الاقتراع لا يزال غامضا. ومع ذلك، فإنّ الجيل الشاب الذي نشأ على الرفض والتعب الإلكتروني قد يكون بيضة القبان؛ إن قرّر النزول بكثافة، سيقلب موازين القوى التي اعتادت الركون إلى الخمول الانتخابي.
ظاهرة أخرى تستحق الوقوف عندها هي دخول حملة الشهادات العليا إلى الميدان السياسي. أساتذة جامعات وأطباء ومهندسون يقرّرون أن الوقت حان ليشاركوا في صناعة القرار، لا في مراقبته فقط. إنها خطوة تحمل رمزية الإصلاح بالكفاءة، وإن كانت تواجه معركة صعبة أمام المال السياسي ونفوذ الأحزاب التقليدية.
اللاعب الحاسم اليوم ليس الحزب، بل الوعي. فصوت الشاب المستقل في بغداد، والمرأة المتعلمة في الجنوب، والمهني الذي يبحث عن دولة قانون في الموصل، باتوا جميعاً شركاء محتملين في رسم ملامح برلمان جديد.
الانتخابات القادمة لن تُقاس بعدد المقاعد فحسب، بل بمدى نجاحها في تحويل الصناديق إلى مساحة وعي وطني. فالعراق الذي يتّسع للجميع لا يُبنى بالشعارات، بل بالعقول التي تؤمن أن الديمقراطية ليست سباقاً إلى السلطة، بل طريقاً إلى الدولة.













