الدكتور مؤيد الونداوي
سارت جنازتها عصرا وهي ملفوفة بالعلم البريطاني من الباب الشرقي الى الكنيسة في ساحة الطيران.
شارك الملك علي نيابة عن الملك فيصل (كان في رحلة علاج) ورئيس الوزراء عبد المحسن السعدون بمراسم التشييع.
وشارك المندوب السامي وقادته واعضاء الوزارة العراقية والاعيان واعضاء البرلمان بمراسم التشييع.
امر رئيس الوزراء ان تصطف وحدات من الجيش العراقي على طول مسار جنازتها.
رغم انها عملت لصالح الاستخبارات البريطانية منذ 1915 يوم وصولها للبصرة فأنها لم تدفن في مقبرة الجيش البريطاني في الوزيرية.
في حدود عام 1999 التقيب بقريبتها في بغداد وكانت مهتمة ان تزور قبرها واحدثها عن سيرتها واماكن سكنها في بغداد.
منذ أشهر وانا اترجم تقارير الاستخبارات البريطانية عن العراق 1921-1926 وهي تقارير كانت تحمل توقيع الانسة غيرترود بيل هذه الانسة التي رغم خيانة حبيبها لها وعدم زواجه منها إلا انني ارى انها قدمت خدمات جليلة لبلدها والى الدولة العراقية المعاصرة.
سيفهم تقيمي هذا من خلال مطالعة الكثير من التقارير التي كتبتها سواء عن بلاد ما بين النهرين والخليج والجزيرة العربية او من خلال الآراء التي كانت لها دورا مهما بصياغة قرارات الحكومة البريطانية وايضا وبشكل خاص ما انجزه السير بيرسي كوكس طوال خدمته في بغداد.
لقد كانت تقف وراء تاسيس المتحف العراقي.
اليكم ما جمعته لكم عن يوم اعلان وفاتها والبيانات التي صدرت حينها وما كتبته عنها الصحافة العراقية.
رسائل خاتون بغداد تحتاج رعاية لمؤسسة عراقية لتقوم بترجمتها كاملة لأهميتها وبالتنسيق مع المؤسسة البريطانية التي تحمل اسمها لغاية اليوم.
447. توفيت الآنسة غيرترود بيل، السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي ومديرة دائرة الآثار الفخرية، في نومها صبيحة 12 تموز 1926. وقد أصدر المندوب السامي الرسالة التالية بخصوص وفاتها في الجريدة الرسمية العراقية:
"لقد مُني فخامة المندوب السامي بخسارة شخصية ورسمية مؤلمة بسبب الوفاة المفاجئة في صباح يوم 12 تموز 1926 للآنسة غيرترود بيل، سكرتيرته الشرقية ومديرة دائرة الآثار الفخرية لحكومة العراق. لقد أضافت حياتها القصيرة مجدًا وبهاءً لاسمها في هذا البلد وبين هذه الأمة التي خدمتْها حتى آخر أنفاسها، إذ نادرًا ما حظيت أمم قليلة مثلما حظي العراق بخدمتها." إذ أن عدداً قليلاً من البلدان والأمم قد خدمها أبناؤها وبناتها، ولا يمكن لأي سجلّ أن يعبّر بأمانة عن الحزن الذي عمّ العراق مع انتشار خبر وفاتها، ولا عن الامتنان الذي يشعر به الناس تجاهها. سيظل العراقيون يذكرون عملها الرائع بينهم. لقد تركت الآنسة بيل عائلةً كانت تُعبد داخلها، وبيتًا مترفًا، وجمعًا كبيرًا من الأصدقاء المخلصين، ومجالاً واسعًا من الاهتمامات الفكرية والفنية المتنوعة، وقد كرّست السنوات العشر الأخيرة من حياتها بكل ما فيها من حماس لا يلين لقضية العرب، وخاصة العراق. كانت صحتها دائمًا ضعيفة، وكان جهدها يفوق قدرتها، لكنها لا بد أنها شعرت الآن بأن آلامها قد خُفِّفت بمحبة الأمة التي أسهمت كثيرًا في بنائها وبالوعي بأنها لم تَحِد عن مثلها. مكان راحتها الأخير هو المكان الذي رغبت أن تستريح فيه، في تربة العراق. أصدقاؤها في حداد عليها.
دُفنت في المقبرة المدنية البريطانية مساء 12 تموز. حضر الجنازة المندوب السامي، وقائد القوة الجوية، ورئيس الوزراء، وجميع الوزراء، والأمير علي ممثلًا عن الوصي، وحشد كبير من الضباط البريطانيين والعراقيين، والشيوخ والأعيان، وأصدقاء ومعارف من مختلف طبقات المجتمع. وأصدر رئيس الوزراء أوامر بأن تصطف قوات الجيش العراقي على الطريق المؤدي إلى المقبرة.
تلقى المندوب السامي برقيات من الأسى والتعاطف من كل أنحاء العراق وتحدثت الصحافة عن مشاعر الرأي العام وقد نشرت مقالات تمجّد خدمات الآنسة بيل الكبرى للعراق وتنوّه بخسارة صديقة ومعينة عظيمة.
جريدة العَلَم العربي رقم 711 بتاريخ 14 تموز 1926
جنازة الآنسة بيل الراحلة
حوالي الساعة السادسة مساءً في اليوم الذي سبق أمس، احتشد جمع كبير من الناس في السيارات والعربات عند البوابة الجنوبية للمدينة. اصطفَّت قوات الجيش العراقي على الطريق الممتد من البوابة إلى المقبرة البريطانية. وسار النعش ببطء في هذا الطريق عند الساعة 6.30 وقد غُطِّي بالعلم البريطاني ووُضعت عليه الأزهار. وتبِعتهُ جموع غفيرة إلى المقبرة حيث كان القسيس الأكبر واقفًا بانتظار المندوب السامي وضابط القوة الجوية وقائد الجيش ورئيس الوزراء، وكلهم كانوا هناك حاملين الزهور.
ثم وضع ممثلو جلالة الوصي الأمير علي مع صفوت باشا كبير الأمناء أكاليل على النعش. وحضر العديد من ضباط الجيش وكبار الموظفين، كما حضر أعضاء البرلمان والشيوخ ورئيس غرفة التجارة وجمع كبير من الأعيان والوجهاء ليودّعوا الراحلة.
وقام فريق من الموظفين الإنجليز بحمل النعش الملفوف بالعلم البريطاني داخل المقبرة. وتلا القسيس خدمة الجنازة بصوتٍ حزين، ثم غادر الجميع المقبرة بعد التحية الأخيرة، وقد ارتسمت مظاهر الألم والحزن على جميع الوجوه.
جريدة العَلَم العربي رقم 710 بتاريخ 13 تموز 1926
الراحلة الآنسة غيرترود بيل
في صباح يوم أمس تلقّت الدوائر الرسمية خبر وفاة الآنسة غيرترود بيل الراحلة، وجرى إعداد الترتيبات لوداعها الأخير. وقد أُعلن هذا الحدث الحزين بالبيان التالي:
"الآنسة بيل، المديرة الفخرية للآثار والسكرتيرة الشرقية لسعادة المندوب السامي، توفيت هذا الصباح. وستُقام المراسم الرسمية للدفن عند بوابة الجنوب في الساعة السادسة مساءً هذا اليوم."
ويعلن مكتب الصحافة هذا النبأ المؤلم بأسف شديد، نظرًا للخدمات المتميزة والمعونة القيّمة التي أسدتها الفقيدة للعراق. وبوفاتها يخسر هذا البلد يدًا عاملة كفؤة وصديقة نبيلة ومخلصة.
كان الجمع الذي احتشد لحضور الجنازة كبيرًا جدًا، وكانت الترتيبات على درجة عالية من الجلال والوقار. ولسنا نرغب هنا في الحديث عن هذه الأمور، ولا عن مظاهر التكريم التي قُدمت لها حين وُوري جثمانها الثرى، بل نود أن نقول كلمة خاصة بشأن الخدمات البارزة التي أدتها الراحلة المكرّمة لبلدها ولحكومتها، والمكانة الكبيرة التي شغلتها في السياسة والعلم، والنفوذ العظيم الذي مارسته في بلادها وفي العالم العربي كله.
وقد كان تأثيرها ملموسًا بصورة خاصة في العراق منذ الأيام الأولى للاحتلال. وفي كثير من المواقف السياسية التي نشأت كان لها التأثير الحاسم؛ وغالبًا ما كانت هي كل شيء.
ولا شك أن مكانتها الكبيرة في العراق تُعزى إلى علمها الواسع بالشرق، ذلك العلم الذي جعلها في الصف الأول من المستشرقين. أما مؤلفاتها عن الشرق فهي من الكتب القياسية المرجعية لأعظم العلماء والمستشرقين والساسة.
وقد رأى كثيرون العمل الباهر الذي أنجزته في بحوثها وحفرياتها الأثرية. فالمتحف العراقي، الذي أصبح مؤخرًا حسن التنظيم والترتيب، كان كله من عمل يديها وعقلها.
وقليل من الرجال كانوا قادرين على إنجاز العمل العظيم الذي حققته في السياسة، رغم تقدمها في السن وضعف صحتها. هذا الجهد العظيم، وهذا الإصرار على العمل، وهذه التضحيات بكل راحة وفراغ حتى التضحية بحياتها، كل ذلك قامت به الآنسة بيل بروح طيبة، وبسرور ورغبة في خدمة بلادها، والارتقاء بمكانتها ونجاح سياستها في العالم. وهذا هو ذروة الوطنية ونكران الذات وخدمة الوطن.
صحيفة العراق العدد 1887 بتاريخ 14 يوليو 1926
عرضٌ لأعمال الآنسة غيرترود بيل في العراق والبلاد العربية
إن تفاصيل حياة امرأة إنكليزية عظيمة، شغلت مكانة رفيعة في البلاد العربية وفي أرجاء الشرق كافة، لا بد أن تكون ذات اهتمام خاص للعراق. لقد خاضت الآنسة بيل نضالًا كبيرًا من أجل العراق، ولا سيما بعد ثورة عام 1920، حين أصبحت وسيلةً لتحقيق فهم أفضل بين العرب وبين قومها الإنكليز.
تنتمي الآنسة بيل إلى أسرة مشهورة في شمال إنكلترا. تلقت تعليمها في أفضل المدارس والكليات. وزارت الشرق للمرة الأولى سنة 1899 مع قريب لها كان وزيرًا بريطانيًا في طهران. وفي ذلك الوقت درست الفارسية وترجمت بعض أعمال حافظ إلى الإنكليزية. وفي سنة 1900 سافرت إلى سورية وجبل الدروز، ودرست العربية بجدّ. ثم شرعت في أسفار جديدة نحو الشرق سنة 1903، وزارت الأناضول سنة 1905. وقدمت إلى العراق للمرة الأولى سنة 1909. وفي سنة 1913 عبرت الصحراء السورية. درست العرب في الصحراء وكتبت كتبًا قيمة عنهم.
وعندما اندلعت الحرب العظمى اختيرت لأعمال سياسية مهمة بسبب معرفتها بالشرق ولغاته. وظلت منشغلة بذلك حتى سنة 1916 في مصر. وبعد سقوط بغداد جاءت من البصرة مع السير برسي كوكس. وخلال عملها أثناء الحرب حازت شهرة كبيرة بين شيوخ قبائل العراق الذين كانت على مراسلة دائمة معهم. وفي بغداد وجدت جماعة كبيرة وانتشر صيت صداقاتها ونفوذها في كل مكان، وكانت كلمة "الخاتون" (وهو الاسم الذي عُرفت به) على كل لسان. رافقت لاحقًا الوفد الذي ذهب لمقابلة السيد تشرشل في مصر. وحين تم تنظيم دائرة الآثار كانت هي التي انتُخبت لتكون مديرتها الفخرية.
إن شعب هذا البلد سيظل يذكر دومًا عملها الصادق وتضحيتها في خدمة العراق، ويشعر بأن موتها خسارة كبيرة له ولبلدها. وكان من المبادئ الأساسية في حياتها إخلاصها للبيت الهاشمي. وقد عملت في الآونة الأخيرة على نقل المتحف إلى مقره الجديد. كانت محبوبَة بدرجة كبيرة من جميع العرب، والمعونة العظيمة التي قدمتها لهم ستُسجَّل في تاريخهم بأعمق مشاعر الامتنان.
العراق العدد 1886 في 13 يوليو 1926
خسارة للعلم ورجال الدولة
وفاة سيدة بريطانية عظيمة
ذي شهرة واسعة في الشرق
لقد مُني العلم بانهيار ركن قوي، ومُنِيَت رجالات الدولة بخسارة عامل مهم من عوامل حسن التفاهم بين البريطانيين والشرقيين. في اليوم الذي سبق أمس، توفيت الآنسة جيرترود بيل، السكرتيرة الشرقية للمفوض السامي والمديرة الفخرية لدائرة الآثار العراقية. حتى آخر ساعات عملها من يوم الأحد كانت تعمل بهمّة معروفة لا تعرف تعبًا ولا إرهاقًا. لقد استُقبل نبأ وفاتها بدهشة وألم عميق في دوائر الحكومة والمحافل الاجتماعية في بغداد. كانت صديقة لأغلب شخصيات البلاد من رجال ونساء.
بادرت أمانة مجلس الوزراء إلى إعلان خبر وفاتها إلى الوزارات المختلفة، مشيرةً إلى خطورة هذه الفاجعة، ومقدّرةً الخدمات العظيمة التي أدّتها للسياسة الشرقية وللعالم العربي عامة وللعراق خاصة. وقد أُبلغ خبر هذه الفاجعة إلى رؤساء الدوائر الحكومية، كما أُعلن عن الترتيبات لإقامة مراسم الدفن في فترة بعد الظهر.
أصدر مكتب الصحافة بيانًا إلى الجمهور جاء فيه:
"يعلن مكتب الصحافة هذا الخبر المحزن بأسف عميق، بالنظر إلى الخدمات المتميزة والمساعدة القيّمة التي قدمتها الراحلة للعراق. بوفاتها خسر هذا البلد يدًا عاملة كبيرة"
"وبحلول الساعة السادسة مساءً بدأت مجموعات المشيّعين، الواحد تلو الآخر، تصل إلى الكنيسة البروتستانتية عند البوابة الجنوبية: كبار موظفي الدولة البارزين، المدنيين والعسكريين، بزيّهم الرسمي، يتقدّمهم رئيس الوزراء؛ وكل طاقم الموظفين البريطانيين وأعضاء الجالية البريطانية، يتقدّمهم سعادة المندوب السامي وكبار أعضاء طاقمه؛ وأعضاء مجلس النواب ومجلس الأعيان، والوجهاء والمواطنون البارزون، يتبعهم جمهور غفير من سكان المدينة من مختلف الطبقات والطوائف.
وبعد توقف قصير أمام الكنيسة، جُلب الجثمان في سيارة تابعة لدائرة الصحة. كان التابوت مغطى براية الاتحاد (Union Jack) ومزيّنًا بالأزهار المُهدَاة لروح الراحلة في طريقها إلى مثواها الأخير. كان كثيرون يحملون أكاليل من الشخصيات الرفيعة، من بينها واحدة من جلالة الوصي، وأخرى من المندوب السامي البريطاني، فضلًا عن عدد لا يُحصى من الأكاليل من الدوائر الرسمية والأصدقاء.
وتقدّمت الجنازة من الكنيسة إلى المقبرة البريطانية، وسارت فيها جموع غفيرة. وكان الطريق من الكنيسة إلى المقبرة مصطفًّا بجنود الجيش العراقي. وعند بوابة المقبرة توقفت السيارة الحاملة للتابوت، وأُزيلت الأكاليل، وحُمل التابوت بعد ذلك من قبل عدد من كبار الموظفين البريطانيين والمستشارين الذين ساروا بوقار، يتقدّمهم قسيس الجيش البريطاني الذي أدّى الطقوس الدينية المعتادة، وتبعهم عدد كبير من المشيّعين البارزين. وفي المقبرة، ألقى القسيس كلمة مؤثرة، ثم وُوري التابوت في القبر، بينما كان كبار المسؤولين البريطانيين يقلبون التراب فوق التابوت وفقًا للتقاليد الغربية." وفي طريق عودتهم، استغرق المشيّعون في الحديث عن العمل النبيل وإنجازات الراحلة وخدماتها في ميادين العلم والسياسة.
وقد عبّر المندوب السامي وكبار أعضاء طاقمه عن شكرهم لأولئك الذين شاركوا في موكب الجنازة عند عودتهم.
ونجرؤ على القول بأن سكان العاصمة بأسرهم قد شاركوا في موكب دفن هذه العاملة البريطانية وصديقة العراقيين المخلِصة. ونرغب في أن نوجّه تعازينا في فقدان هذه الشخصية الراحلة العظيمة إلى سعادة المندوب السامي وإلى الجالية البريطانية كافة هنا، وكذلك إلى أصدقائها العراقيين ومعجبي فضائلها.













