* سَلَطَة أم سُلْطَة *

بقلم بهاء زهير أحمد القيسي تشرين2/نوفمبر 22, 2025 668

الكاتب: بهاء زهير أحمد القيسي
العراق – بغداد

سَلَطَة: بفتح السين واللام، من الجذر (س ل ط)، وهي الطبق المكوّن من الخضروات الممزوجة معًا.
سُلْطَة: بضم السين وسكون اللام، من الجذر (س ل ط)، بمعنى القهر والتمكين أو النفوذ أو الحكم.
في رواية خريف البطريرك للروائي العالمي غابرييل غارسيا ماركيز، يقدّم فيها شخصية زكارياس بوصفه الشخصية الرئيسية في الرواية التي تتناول في صفحاتها السلطة المطلقة التي يتمتع بها هذا الطاغية الكاريبي. ومن خلال السرد الروائي تتناول الرواية موضوعات العزلة والفساد والجنون الكامن في السلطة المطلقة، حيث تُجسّد عظمة الديكتاتورية وانهيارها.
لماذا يعتقد أمثال زكارياس أن الأفراد الذين حوله هم مجرد طبق سَلَطَة، حيث يجب عليهم طاعة وليّ الأمر، وأننا ما زلنا رعيةً ولم نصل بعدُ إلى مرتبة المواطنة؟
يجيب عن هذا التساؤل الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بقوله:
إن السُّلْطَة ليست شيئًا يُمتلك، بل هي علاقة.
وإن السَّلطة هي فرض الإرادة على الغير وإنتاج أثرٍ ما أو حالةٍ ما يريد صاحبُ السّلطة إنتاجهما. وممارسةُ السلطة جزءٌ من الحياة اليوميّة، يقوم بها الفرد والمجموعة والمؤسّسة والدولة، وحتى الأطفال في لعبهم يتدرّبون على ممارسة السلطة. وهي مُكوّن من مكوّنات البناء النفسيّ الثقافيّ تمامًا مثل الحب والفضول والتنافس والغيرة، وغيرها. ولا نحتاج إلى جهد لإدراك أن الأب يمارس نوعًا من السلطة داخل أسرته، وربّ العمل في مصنعه. فهي إذن قوّة معنويّة يتمتّع بها طرفٌ ما في موقع قوّة ضمن العلاقة السلطويّة، لكنها قد تنقلب عنفًا واعتداءً عندما يُساء استعمالُها.
ويصف المؤرخ هنري آدامز السلطة بأنها نوعٌ من الأورام ينتهي به الحال إلى القضاء على تعاطف الضحايا بعضهم مع بعض، وصفًا مجازيًا لا طبيًا.
أما داكر كِلْتنر، أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، فقد اكتشف –بعد عقدين من الدراسات– أن سلوك الشخص المتبوِّئ لمنصب سلطوي يشبه سلوك إنسان مصابٍ برضّ دماغي؛ مما يجعله أكثر اندفاعًا، وأقل إدراكًا للمخاطر، وأقل قدرة على رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخرين بدرجة كارثية.
وقد قيل: إن السلطة تميل لأن تُفسِد، والسلطة المطلقة تُفسِد بصورة مطلقة؛ وهي مقولة اللورد أكتون.
إن السلطة الاستبدادية تكون مصحوبة دائمًا بفساد الأخلاق. والسلطة التي لا توجد من أجل الخير ليست سلطةً، وإنما هي قوّة.
والسلطة الجيّدة لا تأتي من مجرد تطبيق المبادئ الصحيحة، بل تعتمد على أنماط مشاركتنا في الموقف، وعلى الطرق التي نختبر بها جوانب مختلفة من الواقع الاجتماعي ونستجيب لها في ظلّ ظروف عدم اليقين والخلافات.
إن جميع الأفعال اللاأخلاقية واللاقانونية التي تترافق مع السلطة –سواء كانت فردية أو غير ذلك– مما لا يليق بنوعنا الإنساني، إنما تنشأ من تجاهل الإنسان لسلطة العقل ونزوعه إلى الفعل بتأثير من الرغبات والميول، كبواعث مناقضة لسلطة العقل. وهذا ما اتفق عليه فلاسفة آخرون مثل كانط وهيغل؛ إذ جعل هيغل من مبدأ عمل العقل "تعقيل الواقع" وجعل كل ما هو واقعي عقليًّا، والعكس صحيح بالضرورة، على اعتبار أن سلطة العقل هي الأهمّ لدى كثير من الفلاسفة، وهي المشترك البشري الأهم من أي اسمٍ للسلطة أو "الزلاطة" السلوكية الأخرى غيره.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه