"المَجْلِسُ السِّياسِيُّ الوطني" ماذا وإلى أين؟

الدكتور رعد البيدر

أُعْلِنَ في بغداد عن تشكيل "المَجْلِسِ السِّياسِيِّ الوطني" في ظرف يغلب عليه التشرذم وصراع الزعامات داخل المكون السُني. يُشَكِّلُ الإعلان محاولة جديدة، وربما أخيرة، لتجاوز حالة الضعف السياسي التي لازمت المكون منذ عام 2003. إن المجلس ليس مجرد ائتلاف عابر، بل هو اعتراف مؤسسي ضمني بعَجْزِ القيادات المنتخبة عن التفاهم والتوحد بشكل تقليدي، مما يهدد قدرتها على الإدارة وتحقيق الشِعارات الأساسية التي تمس قضايا المناطق السُنيّة، ومن أبرزها: العفو العام، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.

تعود خلفية الخطوة إلى محاولة سابقة فاشلة بتشكيل "ائتلاف القيادة السنية الموحدة"، التي لم تنجح في جمع الشمل. الفشل رَسَّخَ الانقسام بوجود قطبين متنافسين، أبرزهما: تيار حزب "تقدم" (بزعامة محمد الحلبوسي) وخصومه، مما يعني استمرار وتوسع الثغرة التي اضعفت السُنة، ومنها تسلل الوهن إلى طاولة التفاوض، فغدت حقوق المكون فريسةً سهلةً سُلبت بغياب توحُد كلمة الفصل، ومَيداناً مُمهداً لِتَمْرِيرِ أَجَنْدَاتِ الشريكَيْنِ: الأَطرافِ الشيعِيَّةِ والكُرْدِيَّةِ.

يمثّل المجلس السياسي الوطني الجديد محاولة لتبني الحَلِّ المؤسسي التنسيقي؛ أي الانتقال من رغبة البعض بأن يكون "الزعيم الأَوْحَدِ" إلى إنشاء هيكل تنسيقي أعلى. مما يضع المجلس في حالة تناظر وظيفي مع "الإطار التنسيقي الشيعي"، حيث نشأ كلاهما كمرجعية عليا لِمُكونه، هدفها احتواء التشرذم الداخلي وتوفير جبهة تفاوضية موحدة. ويضم المجلس في تأليفه القوى الأساسية التي كانت ضمن تحالفي السيادة والعزم السابِقين، وفي مقدمتها: تحالف الحسم الوطني، وتحالف الأنبار الموحد، ومشروع قَادِمُون، والجماهير، إلى جانب أطراف أخرى. يتولى المجلس مهمة توحيد الخطاب وتسوية الخلافات الشخصية. في حين يبقى الهدف المعلن هو تحقيق الحَدِّ الأدنى من التنسيق لضمان التمثيل الفعّال للمكون في مفاوضات تقاسم السلطة وتوزيع المناصب السيادية والوزارية.

السؤال المجازي الذي يتطلب وضوحاً ولو مرحلياً هو: إلى أين يَتَّجِهُ المجلس الوليد؟

إن الإجابة على السؤال تثير تساؤلات مُتَمِّمَة. فمصير المجلس الوطني السياسي وقدرته على تحقيق شعاراته يتوقفان على إنجاز أمرين حاسمين:

أولهما: الشُمولِيَّةُ والإلزام: هل سينجح المجلس في ضم كل الأطراف الفاعلة، من المكون السني ؟ وهل ستكون قراراته مُلْزِمَةً للجميع في اللحظات الحاسمة؟

ثانيهماً: الأَجَنْدَةُ البَرْنَامِجِيَّةُ مقابل الأَجَنْدَةِ الشخصية: وتعني أن يركز المجلس على تجاوز فكرة الصراع على "مَنْ يَحْكُمُ؟" إلى العمل على "ماذا نُنْجِزُ؟"، عبر وضع برنامج عملي مُلْزِم يضع اسبقيات للقضايا الوطنية والإنسانية، التي لا يمكن لأي طرف التشكيك فيها أو رفضها. من ضمن القضايا: تفعيل اللامَرْكَزِيَّةِ، وإقرار قانون التعويضات بشكل فعّال، لضمان تحقيق إنجاز ملموس على مستوى القاعدة الشعبية.

إعلان المجلس السياسي الوطني، في خضم معركة المكونات والأحزاب، يعني استثمار الفُرْصَةِ الأَخِيرَةِ للقيادات السنية لتوحيد صفها الظاهري والعملي. النجاح يعني استعادة الثقل السياسي المفقود، وإلا فإن استمرار الانقسام، حتى تحت المظلة المؤسسية الجديدة، سيعني مزيدًا من العجز أمام تحقيق أي من الشعارات التي رَفَعْتُمُوهَا، وتكريس حالة من فقدان الثقة بكم. تَرْجِمُوا وعودكم ولا تخذلوا المكون، تَنَازَلُوا عن أنانيتكم للذات والكتلة والحزب، وتجنبوا من لا يسرّه تشكيل المجلس. ستسعى الجهات المتصارعة معكم لتمزيقكم مجدداً، فإيَّاكم أن تنزلقوا؛ فقشور الموز كثيرة... أخيراً وليس آخراً، لا تجعلوا ناخبيكم يَعَضُّونَ أصابع الندامة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الثلاثاء, 02 كانون1/ديسمبر 2025 19:47
الدكتور رعد البيدر

الدكتور رعد البيدر

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه