اللواء الركن ضرغام زهير الخفاجي
كاتب وباحث في قضايا الأمن الإقليمي
خبير في شؤون الدفاع والتدريب والعلاقات الدولية
*مقدمة
انتهت الانتخابات الأخيرة وانتهت معها ضوضاء الحملات وصراع اللافتات وصور المرشحين التي ملأت المدن العراقية. غير أنّ انتهاء الاقتراع لم يُنهِ الصراع الحقيقي فالمعركة الأكبر تبدأ عادة بعد الصناديق حيث تنتقل البلاد من منافسة انتخابية مفتوحة إلى صراع سياسي مغلق تحت قبة المفاوضات يتداخل فيه النفوذ والمال و السلاح والتحالفات وموازين القوة.
في العراق لم يعد السؤال: من فاز في الانتخابات؟
بل: من سيحصل على حق تسمية رئيس الوزراء؟
تأخر النضج السياسي وتراكم الأزمات وتغوّل الانقسامات الطائفية والقومية جعل الديمقراطية في العراق أقرب إلى “إرادة مسيّرة” منها إلى عملية حرة تنتج قيادات وطنية. ملايين المواطنين يذهبون إلى صناديق الاقتراع لكن قرار إنتاج الحكومة كثيرًا ما يتخذ في الغرف المغلقة لا في المحطات الانتخابية.
من هنا تنبع الإشكالية:
هل يُعامل منصب رئيس الوزراء بوصفه قيادة وطنية سيادية؟
أم بوصفه منصبًا إداريًا يخضع لتوزيع النفوذ والمكاسب؟
*نتائج الصناديق… هل هي استحقاقات أم مكاسب تفاوضية؟
تاريخيًا لم تكن نتائج الانتخابات في العراق كافية لتحديد شكل الحكومة. بل غالبًا ما كانت مجرد “نقطة انطلاق" لمفاوضات أعمق تُعيد صياغة الإرادة الشعبية وفق توازنات القوى السياسية بحيث تتحول الأصوات إلى حصص والحصص إلى شروط والشروط إلى مكاسب.
*إشكاليات تعيق تحويل التصويت إلى تمثيل حقيقي:
• ضعف الثقة بالعملية الانتخابية بسبب الجدل حول النزاهة والفرز الإلكتروني.
• تأثير المال السياسي الذي يغيّر طبيعة التنافس ويقوض تكافؤ الفرص.
• الانقسام المجتمعي على أساس طائفي و قومي والذي يُضعف فكرة التصويت المبني على البرامج و الرؤية الاستراتيجية.
• تدخل القوى التقليدية في إعادة توزيع النتائج بما يخدم مصالحها الذاتية.
• غياب أحزاب سياسية وطنية حقيقية تمتلك برامج اقتصادية واجتماعية قابلة للتنفيذ.
لذلك تبرز معادلة مفادها:
الصندوق يعلن الأرقام… لكن التحالفات تعلن الفائز الحقيقي.
*منصب رئيس الوزراء… قيادة دولة أم إدارة كيان سياسي؟
تحاول بعض الكتل السياسية اختزال منصب رئيس الوزراء إلى وظيفة إدارية تُدار عبر التعليمات والتوجيهات لا إلى قيادة سياسية تُدار عبر الرؤية والقرار.
هذا التحويل يحمل مخاطر كبيرة أبرزها:
١. إضعاف مؤسسة الدولة لصالح مؤسسة الحزب
حين يصبح رئيس الوزراء “مديرًا عامًا” لمصالح جهة أو كتلة فإن الدولة تتحول إلى شركة سياسية تُدار وفق منطق المكاسب لا وفق منطق السيادة.
٢. فقدان استقلالية القرار
رئيس الوزراء يحتاج قدرة على اتخاذ القرار السريع والحاسم خصوصًا في ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. ارتباطه بشروط مسبقة يحدّ من هذه الاستقلالية.
٣. إفراغ المنصب من دوره السيادي
منصب رئيس الوزراء في العراق ليس منصبًا إداريًا. إنه:
• القائد العام للقوات المسلحة
• المسؤول الأول عن الأمن الوطني
• صاحب اليد العليا في رسم السياسة الاقتصادية
• صانع التوازنات الإقليمية
• ممثل الدولة أمام المجتمع الدولي
• المشرف على عمل الوزراء والمؤسسات السيادية
تقليص هذه الصلاحيات إلى مجرد “تنفيذ طلبات” الكتل السياسية هو ضرب لمفهوم الدولة الحديثة و ترسيخ لمفهوم الدولة العميقة.
٤. تشويه مفهوم المساءلة
إذا كان رئيس الوزراء يخضع للأحزاب لا للدستور فإن محاسبته تصبح شبه مستحيلة ويضيع مبدأ "من يحكم… يُسأل".
*واجبات رئيس الوزراء في الدولة الحديثة
لكي ينهض العراق ويستعيد دوره الطبيعي يجب أن يعود منصب رئيس الوزراء إلى مكانته بوصفه قائد دولة يمتلك رؤية وقرارًا لا مديرًا لتصريف مصالح آنية لكتل سياسية. وتتمثل أهم مهامه القيادية في:
• صياغة رؤية وطنية استراتيجية تمتد لسنوات تستند إلى معايير التنمية المستدامة والأمن الشامل.
• إدارة ملف الأمن الوطني ومكافحة الفساد باعتبارهما ملفين سياديين لا يخضعان للمساومات أو المحاصصة.
• إعادة هيكلة الاقتصاد عبر خطط تنموية طويلة الأمد لا عبر سياسات توزيع الريع أو إدارة الموارد بطريقة استهلاكية.
• إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة من خلال الشفافية والمساءلة وتحسين الأداء الحكومي.
• تنظيم العلاقات الخارجية وفق مبدأ المصالح الوطنية العليا وبما يعزز مكانة العراق الإقليمية والدولية.
• تعزيز استقلالية القضاء والمؤسسات الرقابية بوصفها الركيزة الأساسية للحكم الرشيد ومنع الفساد السياسي والإداري.
• بناء بيئة سياسية حديثة تسمح بظهور قيادات شابة وبرامج حكومية قائمة على الكفاءة لا على الانتماء الحزبي.
• إعادة ترميم النسيج المجتمعي العراقي وردم الفجوات الطائفية والقومية والعرقية عبر سياسات المواطنة المتساوية.
• إصلاح نظام التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتوسيع قاعدة فرص العمل بما يعزز جودة الحياة ويحارب الفقر والبطالة.
• الانتقال من الاقتصاد النفطي الريعي إلى الاقتصاد المنتج والاستثماري عبر تشجيع الصناعة والتكنولوجيا والقطاع الخاص.
• إعادة بناء القاعدة الصناعية والإنتاجية ودعم المشاريع الكبرى والصغرى باعتبارها محركًا للتنمية الوطنية.
إن هذه المهام ليست وظائف خدمية عابرة بل مسؤوليات قيادية عليا تحتاج إلى شخصية تمتلك القرار لا شخصية تُقاد بالقرار.
*لجنة اختيار رئيس الوزراء… أزمة شرعية جديدة
من المظاهر المقلقة التي بدأت تظهر في السياسة العراقية إنشاء “لجان حزبية” لتحديد أسماء المرشحين. ورغم أن هذه اللجان تقدَّم على أنها آلية تنظيمية إلا أنها في الواقع تؤدي إلى:
• حصر الترشيح بمجموعة ضيقة لا تمثل الشعب.
• فرض شروط مسبقة على رئيس الوزراء قبل تسلمه المنصب.
• ربط الولاء بالكتلة لا بالوطن.
• تقليل هيبة المنصب عبر إظهاره كوظيفة إدارية لا قيادة سيادية.
• تغييب التنافس الوطني الحقيقي أمام الجمهور.
• تقزيم منصب رئيس الوزراء وجعله دمية تحرك بواسطة خيوط أمراء المال والسلاح .
إن التعامل مع رئيس الوزراء كموظف يتم اختباره عبر لجنة حزبية هو سابقة خطيرة تقوض مبدأ التداول السلمي للسلطة وتجعل الحكومة القادمة فاقدة للشرعية الأخلاقية حتى قبل تشكيلها.
*كيف نعيد لمنصب رئيس الوزراء هيبته؟
لإعادة بناء هيبة هذا المنصب يجب تبني إصلاحات جوهرية، منها:
١. معايير وطنية للترشيح
تحديد شروط موضوعية مثل:
• النزاهة
• الكفاءة والخبرة الإدارية
• القدرة القيادية
• سجل واضح في احترام القانون
• استقلالية القرار
٢. تحصين المنصب دستوريًا
منع أي جهة سياسية من فرض التزامات مسبقة على المرشح.
٣. فصل السلطة التنفيذية عن نفوذ الكتل
عبر تفعيل استقلالية المؤسسات خصوصًا الأمن والقضاء.
٤. تبنّي حكومة مهنية غير محاصصاتية
وزراء يُختارون على أساس الاختصاص و الكفاءة لا التوزيع الطائفي أو الحزبي.
٥. ضمان شفافية تشكيل الحكومة
بحيث يعرف الشعب كيف تُدار المفاوضات ومن يمارس التأثير فيها.
*كيف نعيد للصناديق قيمتها الحقيقية؟
الصناديق هي أساس الشرعية لكن استعادتها تتطلب:
١. إصلاح قانون الانتخابات
بما يعزز العدالة والتمثيل ويمنع التلاعب.
٢. محاربة المال السياسي والانتخابي
باعتباره أكبر تهديد للديمقراطية.
٣. تطوير الرقابة الإلكترونية واليدوية معًا
لضمان نتائج موثوقة.
٤. توفير إعلام مهني محايد
يحارب التضليل ويمنح الناخب وعيًا سياسيًا حقيقيًا.
٥. تعزيز المشاركة الشعبية
عبر استعادة ثقة المواطن بأن صوته يصنع الفارق.
*خاتمة
هل نحتاج إلى قائد دولة… أم مدير مؤسسة؟
إن الإشكاليات البنيوية المرتبطة بمنصب رئيس الوزراء في العراق لا تنبع من الأشخاص بقدر ما تنبع من طبيعة المنظومة السياسية نفسها وآليات إنتاج السلطة داخلها. فالتعارض بين الشرعية الانتخابية والشرعية التفاوضية وتعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات والكتل كلها عوامل أسهمت في تقليص فاعلية المنصب وتحويله في كثير من الأحيان من موقع قيادة وطنية إلى موقع إدارة يومية محاط بتوازنات القوى وضغوطها.
لقد تراجع مفهوم "رئيس الوزراء القائد" لحساب "رئيس الوزراء المدير" وهو تحوّل أثّر بصورة مباشرة على قدرة الدولة على التخطيط الاستراتيجي وعلى تنفيذ سياسات طويلة الأمد. وفي ظل هذا الواقع يصبح الحديث عن إصلاح الإدارة دون إصلاح بنية الحكم مجرد تكرار للدوران في الحلقة ذاتها.
إن إعادة الاعتبار لمنصب رئيس الوزراء تمثّل خطوة مركزية في مشروع الإصلاح الوطني. فهي تتطلب مراجعة سياسية ودستورية وانتخابية جذرية تعيد للدولة وزنها المؤسسي وتضع الحكومة في موقع يمكنها فعلاً من صياغة وتنفيذ رؤية وطنية مستقلة بعيدًا عن المحاصصة وتوازنات النفوذ. وعندما يتحقق ذلك يمكن للعراق أن ينتقل من نموذج يقوم على تقاسم السلطة إلى نموذج يقوم على الحكم الرشيد والقيادة المسؤولة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار شخص يشغل المنصب بل في اختيار نموذج الحكم الذي نريده للعراق في العقود المقبلة:
هل نريد رئيس وزراء قادرًا على قيادة الدولة وصياغة قرار سيادي؟
أم نريد منصبًا يستمر في الدوران ضمن دائرة الصفقات الداخلية ويُفرَّغ تدريجيًا من جوهره؟
إن نهضة العراق تبدأ من إعادة الاعتبار للمؤسسات وربط السلطة بالمصلحة الوطنية وترسيخ قاعدة واضحة وبسيطة:
من يحكم… يجب أن يمتلك القدرة على قيادة الدولة لا إدارة صراع المصالح.
وإذا كان العراقيون يريدون ديمقراطية حقيقية فإن الطريق إليها يمر عبر ثلاث ركائز لا غنى عنها:
• صندوق انتخابي نزيه
• مؤسسة دولة قوية
• ورئيس وزراء مستقل يمتلك رؤية لا قيودًا
بهذه الشروط وحدها يمكن أن يبدأ العراق رحلته نحو بناء دولة قادرة على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.













