"حرقة لا تخمد"

بقلم شام غنام كانون1/ديسمبر 01, 2025 292

شام غنام

كانت طفلةً نقية، حتى جاء اليوم الذي سُجنت فيه داخل قفص الحادثة، صيفٌ يفيض بالضحكات، زغاريدٌ تتطاير كالعصافير، ودفء العائلة يملأ الأرجاء، أقصى أحلامها أن ترى والدها قادمًا محمّلًا بالحلويات، أو أن تنال امتيازًا في مدرستها لتسمع من والدتها كلماتٍ تذيب قلبها حنانًا، كانت تعدّ درجات السلم كأنها تصعد نحو السماء، وتختلق دمعةً على عينيها تستجدي خوف أمها واحتضانها، تلك الأيام كانت لحظات لامعة، لكنها وُضعت في ذاكرة النسيان. تلاشت الأفكار في تلك الليلة التي ظنت أنها ستمر ولم تمر، ليلةٌ بصوتٍ مدفون ودمعة يتيمة وقلبٍ أسير، ليلةٌ تحولت فيها من طفلة إلى بالغة، حين ألقوا بها في الهاوية منتظرين صرخة ألم أو دمعة جبانة، لكنها ألقت بهم في الجحيم السابع بابتسامةٍ حسناء،لم تكن ضحكة براءة، ولا ضحكة فرح، كانت ضحكةً مشبعة بالاستغاثة، ضحكةً خرجت من قلبٍ مترع بالدموع، ومن عقلٍ أثقلته الأوجاع. ضحكةً أرادت أن تقول: "أنا هنا"، فدفنوا صوتها كما تُدفن الأرواح في مقابر النسيان، تلكَ الطفلة لم تعد تركض نحو الحلويات، ولا تنتظر امتيازًا، ولا تختلق دمعةً على عينيها فهي الآن تمسح آثار دموعها كي لا يظهر أنها كانت وسط حربٍ أعلنتها خاسرة، وخرجت منها مستسلمة. تجلس على أريكة الحزن الفاخرة، مرصّعةٌ بذكريات الماضي، تنظر إلى الشرفة المطلة على الأزقة المظلمة،تكتب آخر كلماتها لتشهد الأرض أنها قاتلت، لكن العالم كان أشرس، فطعنها بدمٍ بارد، وتلذذ بملوحة دموعها.

أمسكت الحبر القاتم بأنامل مرتجفة، وكتبت لنفسها التي هجرتها منذ أعوام:
نورٌ ساطعٌ أذاكِ، وسيفٌ حادٌ رماكِ عينان بطعم السم، سعدتا لرؤية دماكِ نهضتِ وسابتِ الأبرياء لتعلمهم الكبرياء آنذاكِ ما دمتِ على قيد الحياة، سيقيدون يداكِ بالأغلال والأشواكِ أشعلوا حربًا ليروا صبركِ الذي أذاكِ

فحرقوكِ وحرقوا ذكراكِ، وودعتِ أحلامي بقلبٍ باكِ تركتِ بصمة طفولتك تنهك عقولهم، وطيفكِ يلاحقهم ليأخذ مبتغاكِ أدخلوا بكِ إلى عالم الظلماء، فدخلتِ هاربةً من مماتكِ ولو علمتِ أنكِ دخلتِ عالمًا قررتِ فيه حرق رمادكِ

تركتُ القلم يقع على أوتار الورقة الملوثة بدموع دمائي، وأودع نفسي اليوم بقلبٍ يكره سماع الوداع، وعقل أهلكته قسوة الأيام.

وداعًا.

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه