"‏هل ما زال الأمل معقود على الديمقراطية "

بقلم مقداد هادي العرادي كانون1/ديسمبر 02, 2025 587

مقداد هادي العرادي

أختبر العراق تجربتين للديمقراطية؛ الأولى الديمقراطية في العهد الملكي عند تأسيس النظام البرلماني وإصدار أول دستور عراقي عام 1925 ، والثانية ديمقراطية ما بعد الاحتلال عام 2003 . كما أختبر الأنظمة العسكرية منذ انقلاب عام 1958 حتى سقوطها كأنطمة شمولية عام 2003، ومن سوء الطالع أن العراق الحديث، بدأ بإحتلال إنجليزي عام 1917 وانتهى إلى ما هو علي باحتلال أمريكي عام 2003، لا زالت أثاره باقية ومؤثرة في إتخاذ القرار.

التجربة المريرة باحتلالين غاشمين لم ينتفع العراق ولا العراقيين منها شيء، وربما يستشعر البعض إن الاحتلال الإنجليزي قد أنشأ دولة بمقاييس عصريه، بعد عهد طويل من الاحتلال العثماني المتخلف، الذي جعل من العراق مجرد ضيعة يجني منها هو وولاته ما يستطيعون جنيه منه، ومنفعة دائمة تعضد إيرادات الدولة العثمانية المتهالكة، ليس فيها للعراقيين أي مصلحة أو منفعة تذكر. ولكن بعد طرد العثمانيين بخسارتهم في الحرب العالمية الاولى، أنشأ الإنجليز دولة بديمقراطية مشوهة، ليس لها من قريب أو بعيد صلة بالديمقراطية التي يعيشها المحتل الإنجليزي في بلاده، صحيح أنها أدخلت العراق إلى جو العصرنة والتمدن بإنشاء مؤسسات دولة حقيقية رصينة، قياساً بما كان يعانيه، كالصحة والتعليم والقضاء والإدارة، ولكنها عجزت أن تؤسس ديمقراطية حقيقية أو أن توجد سياسيين وطنيين حقاً غير أنانيين، لم تصمد هذه التجربة أمام مغامرين عسكريين أطاحوا بها. أما تجربة الاحتلال الأمريكي فهي تجربة قاسية بكل المقاييس وعدوان غاشم غير متحضر همجي حطم المجتمع وأنهى أي دور لمؤسسات الدولة العراقية المتهالكة بشكل منهجي وأسس لنظام هجين لا يسمح بنيوياً لبناء وطن حقيقي، نظام وجد ليكون مأزوماً بكيانات أريد لها أن تتصارع، أي بمعنى أدق نظام ليست ضامن لبناء المواطنة الحقة، وتنمية الشعور بالإنتماء للوطن، والتفاني في خدمته كأساس لتكوينه، إنما نظام تحاصص غير مألوف للعراقيين، مبني على تقسيم العراق إلى طوائف متناحرة، متخاصمة، تكيد أحدها الأخرى، وإثنيات متباعدة في الأهداف، وفي الطموح، تتنازع على شيء، وربما على لا شيء، وكل يحاول الإيقاع بالآخر. وتشكل الريبة والشكوك الهاجس الأكبر للتعامل فيما بينها، ولم تستطع هذه الطوائف الوصول إلى الحد الأدنى من قواعد الإيمان بالوطن الواحد، أو الإعتراف بأسس الوطنية العراقية الحقة. في حين المؤشرات تشير إن حداً أدنى من الوحدة والتفاهم على المصلحة المشتركة تجزي الجميع خيراً وفيراً.
‏أن النظام السياسي الذي جاء بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ، لم يكن وليد تعاقد اجتماعي بين الأطراف العراقية لبناء دولة حقيقية بمساعدة أجنبية راعية. إنما كان إرادة أمريكية نفذها بخبث سيئ السمعة بول برايمر ذو النزعة الديكتاتورية، ومن بعده سيئ الصيت ممثل المصالح الرأسمالية الأمريكية زلماي خليل زادة، فلم يكن الدستور عقداً اجتماعياً بين أبناء العراق أنشأوه ليلبي احتياجاتهم، ويضع الأساس الواقعية لمستقبلهم، وإزدهار بلدهم، وضعوه بأنفسهم، ولمصلحتهم، بل كان ترجمة حرفية لقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، ضع القانون بين يديك، وتلمس الفروق بينهما، فلن تجد سوى ديباجة إنشائية ركيكة، تلاعب المشاعر لدى البعض من العراقيين، وقانون إدارة الدولة مفصل بدقة، وبخبث، لتمزيق وحدة الشعب العراقي، وسلامة أرضه، وعلى تقويض العوامل المساعدة لإنشاء ديمقراطية حقيقية، تستمد تطور مفاهيمها وديمومتها من مبادئ الدستور. بل إن هذا الدستور وضع مثيراً للنزاع وللفرقة، وثُبت على أشياء لا تمت للوحدة الوطنية بشيء، ولا لإستقرار البلاد وتطورها، وقد صيغ بطريقة جامدة، بحيث لا يمكن تعديله، إلا بطرق معقدة، وبالتوافق الذي لن يحدث بين الأطراف المختلفة. لذلك كان الدستور عقبة رئيسية من جملة عقبات عدم رسوخ مبادئ الديمقراطية في العراق.
بعد أثنين وعشرين عاماً من تجربة الديمقراطية في العراق وستة جولات انتخابية، لا يشعر المرء أن شيئا تحسن من هذه التجربة، وعلى جميع المستويات بما فيها الممارسة الديمقراطية، وما يسمى بالتبادل السلمي للسلطة، بل يشعر المطلع أن إنتخابات عام 2005 قد تكون أكثر نزاهة وتمثيل حقيقي للشعب، بسبب المشاركة الفطرية للجمهور، والآمال المعقودة على المستقبل، من انتخابات عام 2024 التي شابها المال الفاسد (معروف المصدر)، والممارسات غير النزيهة، التي اكتنفتها، والتي أشرت مفوضية الانتخابات المستقلة واحدة منها على الأقل، هي قضية النائب الفائز التي أشارت إليه باستبعادها له، لعدم توفر شرط السلوك والسيرة، وكثير من هم على شاكلته، لم يتم كشفهم، إضافة إلى ممارسات أخرى بعيدة عن أسس الديمقراطية، كالوعيد والتهديد وشراء الأصوات، وهذه الممارسات جميعها بعيدة عن أخلاقيات الديمقراطية الحقة.
‏لم يقطع الأمل بعد، ولا زال هناك متسع من الوقت أمام تجربة ولدت مشوهه عرجاء، مقصودة الأهداف والغايات، ولكن ما هو البديل أمام أمر واقع افرزه الاحتلال الغاشم، وقبلت به نخب عراقية، سواءاً بالتحضير له قبل الاحتلال، أو المشاركة بعده، فالديمقراطية هي الحل باعتراف الغالبية، ولكن أي نوع من الديمقراطية يريد الشعب العراقي، وهو يواجه هذه التشوهات. شيء لا يمكن إنكاره، إن بعض من الفائزين في مجلس النواب الأخير قد فازوا جراء وطنيتهم الخالصة، وحبهم للعراق، ولكن الشيء المؤسف غياب الأغلبية الواعية الذي أفضى إلى اختيار فاسدين، وأطاح بمن هم حق في تمثيل البلد، أنها حقاً مفارقة قاسية، عندما يفوز شخص سيئ السلوك والسيرة، ويقصى أشخاص لهم شأن في تاريخ العراق، أنه لا لسبب إلا لم يستطع تسويق نفسه أمام ماكينة الدعاية الانتخابية الهائلة، وكثير من هذا يساق في الانتخابات الأخيرة، عندما تسمع عن أسماء لها وزن في المجتمع لم تبلغ عتبة مجلس النواب، أمام أسماء مجهولة مبهمة، ليس لها لا تاريخ، ولا وزن، ولا دالة في المجتمع العراقي، تبلغ تلك العتبة بسهولة.
‏أن التجربة الديمقراطية في العراق بعد الإحتلال هي تجربة مفروضة من المحتل، الذي لم يجد بديلا عنها للتغطية على جريمة احتلاله العراق، دون سند، أو حجة يركن إليها سوى تقديم هذا النوع من الديمقراطية المشوهة، التي وضعت أسسها في أرضٍ ليست في أرض العراق، والعراقيين ليسوا أقلّ شئناً من أن يجدوا ديمقراطية تليق بهم. وما لم ينتبه له العراقيون تلك القيمة العظيمة لبلدهم، وتأريخ الحضارة الرائدة له، وإنهم هم من يملك إرثاً قويماً مشهود له عبر التاريخ، يؤهلهم بحق إلى التفكير العميق في مستقبلهم، ومستقبل الأجيال المقبلة، فلقد مروا بتجارب قاسية ومريرة هي كفيلة بأن تجعلهم بعيدين عن التجريبية الفاشلة التي مورست عليهم خلال الأعوام المنصرمة، وأن يضعوا جل الوقت والجهد لتحويل هذه التجربة من كسيحة إلى فاعلة، ولا سبيلا إلى ذلك إلا بالمثابرة الحقيقية والوعي التام بمقتضيات المصلحة العامة، وكشف زيف المتاجرين بالسياسة لأغراض نفعية خاصة بهم، والعمل على أعلاء المواطنة الحقيقية، وتشخيص رموزها، وكشف الزائفين دون هوادة إلى المجتمع، بالوعي والثقافة والتنوير، وغلق منافذ تجهيل المجتمع بالعادات القبلية والعشائرية وغيرها، وأن تقييم تجربة إنتفاضة تشرين عام 2019 وإحياء مبدأ التظاهر السلمي للمجتمع في التقويم، قد يكون مؤشراً للشعب العراقي في أن تغيير قواعد اللعبة ممكن، وإذا ما فشلت الانتفاضة السابقة من إعادة النصاب إلى وضعه بسبب ضعف التنظيم، وعشوائية القرار، فإن تجربة أخرى أكثر نضجاً قد تصحح المسار وتعيده إلى طبيعته، إذا لم ينصاع صانع القرار أمام ضغوط في إجراء التصحيح، وفي أن يملك الجمهور الحق على الأقل في الحد الأدنى من التجربة الديمقراطية، بإتجاه ديمقراطية حقيقية، تتيح الفرص في تكوين قادة ديموقراطيين حقيقيين يؤمنون أن الديمقراطية هي الحل الأفضل للجميع .
‏إذاً ما زال الأمل معقوداً على الديمقراطية، وإن أمام العراقيين فرصة تاريخية، فإما أن يتمسكوا بها ويستعيدوا وطنهم، بوضع أسس رصينة تفضي لبناء ديمقراطية حقيقية تنهض بالبلاد نحو آفاق المستقبل، مبنية على المواطنة الحقيقية وحب الوطن والتضحيه في سبيله. وإما فإن مستقبل البلد سينزلق إلى ما هو أسوأ من الوضع الراهن، وذلك بترك الفضاء واسعا ًإلى زمر من الإنتهازيين ومن القناصين والسياسيين الفاشلين والمتصيدين الفاسدين ومافيات الأسلحة والمخدرات. ومن ثم تترك الباب مشرعةً لتكون لمثل هؤلاء فرص تفكيك المجتمع، وتقطيع أوصال الوطن، والعبث بمستقبله، وبأماني أبنائه، وهنا تكمن قمة المأساة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه