"الاستسلام المُدار": واشنطن تتحول من البنادق إلى المطرقة المالية في استراتيجيتها الجديدة تجاه العراق

بقلم الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي كانون1/ديسمبر 08, 2025 357

"الاستسلام المُدار": واشنطن تتحول من البنادق إلى المطرقة المالية في استراتيجيتها الجديدة تجاه العراق

بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
واشنطن - بغداد:
تشهد الاستراتيجية الأمريكية تجاه العراق تحولاً جذرياً وهيكلياً، بعيداً عن مفهوم "التمركز العسكري" الواسع الذي ساد منذ عام 2003. لم تعد واشنطن تسعى لإعادة بناء مشروع سياسي شامل، بل انحرفت نحو مقاربة "متعددة الطبقات" تهدف إلى تحقيق مصالحها الأساسية وتقليص النفوذ الإيراني، مع تبني شعار "الاستسلام المُدار وبقاء النفوذ" كعنوان للمرحلة القادمة.
إن هذا التحول يعني عملياً الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استخدام أدوات النفوذ الاقتصادي والضغط المالي كأكثر الأوراق فاعلية في الملف العراقي.
1. الركيزة الأساسية: احتواء إيران عبر الشريان المالي العراقي
يظل هدف احتواء النفوذ الإيراني المتغلغل في الدولة العراقية هو المحور الأبدي للسياسة الأمريكية، ولكن الوسائل أصبحت أكثر دقة وصرامة.
المطرقة المالية كآلية ضبط: تستغل وزارة الخزانة الأمريكية النظام المالي الدولي لفرض ضغوط غير مسبوقة. فبعد إدراج قوائم متعددة من المصارف العراقية على القائمة السوداء للاشتباه في تورطها بغسيل الأموال و"التعامل مع جهات محظورة" (إيران وسوريا)، بلغ عدد المصارف المحظورة من التعامل بالدولار نحو 32 مصرفاً عراقياً وفقاً لتقارير إعلامية متخصصة (تموز 2024). هذا الإجراء لا يهدف فقط إلى المعاقبة، بل يضع النظام المالي العراقي تحت الرقابة المباشرة، ويقيد وصول البنك المركزي إلى احتياطياته الدولارية، مما يؤدي إلى "تقييد وتصعيب" التعاون الاقتصادي بين بغداد وطهران، لا سيما في مجالات الطاقة.
ربط المساعدات بمكافحة الفساد: تعتبر واشنطن أن مكافحة الفساد في العراق هي خط دفاع أول لتقويض تمويل الفصائل والأحزاب الموالية لإيران. لذا، تضغط الإدارة الأمريكية لربط أي دعم ومساعدات بجهود الحكومة العراقية لتعزيز الشفافية وحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يُعد عملاً منهجياً لتقويض نفوذ الفصائل المسلحة التي تُصنف كـ "العائق الأكبر أمام الدولة العراقية". وقد انعكس هذا الضغط مؤخراً في القرارات الحكومية المتعلقة بتشديد مراقبة المنافذ الحدودية والإصلاح المصرفي.
2. تقنين الوجود العسكري: من القواعد إلى النفوذ الأمني
هناك اتجاه واضح نحو "خفض الكلفة وتثبيت النفوذ" عبر تغيير طبيعة الوجود العسكري:
التحول الاستراتيجي: يتم الانتقال رسمياً من دور القوات المقاتلة إلى دور المستشارين والتدريب ضمن "التحالف الدولي ضد الإرهاب" (داعش). هذا التموضع الجديد يهدف لتقنين الوجود الأمريكي من خلال اتفاقيات الحوار الاستراتيجي.
نقطة ارتكاز إقليم كردستان: بدلاً من التمركز العسكري الواسع في عموم العراق، تشير الاستراتيجية إلى ترسيخ الدعم الاستراتيجي لإقليم كردستان كنقطة ارتكاز سياسية وأمنية واقتصادية للنفوذ الأمريكي في المنطقة، مما يوفر بيئة آمنة للعمليات اللوجستية وتجنب الاستهدافات المتكررة.
3. العراق كساحة للمنافسة الجيوسياسية الكبرى
تُدرك واشنطن أن العراق أصبح مركزاً للصراع الجيوسياسي الذي يتجاوز الإطار الأمريكي-الإيراني:
سيناريو الجمهوريين (ترامب): تلوح استراتيجيات الحزب الجمهوري بالضغط الأقصى، إذ يتم تصنيف إيران كـ "العدو الرئيسي" في الشرق الأوسط، مع التلويح بإمكانية قطع المساعدات عن دول مثل العراق إذا استمرت في التعاون مع طهران (مطالبات بفرض عقوبات حتى على مصارف حكومية مثل الرافدين، مطلع 2025). يركز هذا المنظور على تعزيز النفوذ عبر الحلفاء الإقليميين، وتوظيف "اتفاق إبراهيم" في خدمة استراتيجية الاحتواء الإيراني.
مواجهة النفوذ الشرقي: بدأت واشنطن تخوض معركة اقتصادية غير مباشرة لمواجهة النفوذ المتنامي لروسيا والصين، لا سيما في قطاع الطاقة والبنية التحتية. تُظهر الأرقام حجم هذا التحدي، حيث يُقدر حجم التبادل التجاري بين العراق والصين بنحو 40-50 مليار دولار سنوياً (2024)، مما يجعل بكين الشريك التجاري الأول لبغداد، مع استثمارات صينية تتجاوز 10 مليارات دولار منذ 2015 في قطاعات النفط والإعمار.

خاتمة: استراتيجية ثابتة بأدوات متغيرة:

في الختام، يمكن تأكيد أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية والمستقبلية تجاه العراق ثابتة في هدفها الأقصى: تقليص النفوذ الإيراني والحفاظ على المصالح الأمريكية بأقل كلفة بشرية ومالية ممكنة.
يظل العراق، بحكم موقعه، ساحة للاشتباك غير المباشر، حيث يتم المزج بين الضغط القاسي (العقوبات المالية) والدعم الناعم (التعاون في الطاقة والدعم الحكومي). وعلى الرغم من اختلاف لهجة الإدارات الأمريكية، فإن هذا التوازن المعقد بين "الانسحاب المُدار" و "بقاء النفوذ" سيبقى السمة الأبرز للسياسة الأمريكية في المنطقة.

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه