"ما بعد الـ 12 يوماً": استراتيجية التفكيك والاستنزاف في الردع الأمريكي الإسرائيلي تجاه إيران (ديسمبر 2025)
بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي.
(تحليل استراتيجي)
شهدت منطقة الشرق الأوسط في يونيو 2025 تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك الإقليمي، حيث أنهت "حرب الـ 12 يوماً" الفعلية بين إيران وإسرائيل عقوداً من "حرب الظل" لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتسم بالتوتر العلني المرتفع. في ظل هذه الديناميكية الجديدة، تظهر ملامح استراتيجية أمريكية إسرائيلية متكاملة ومترابطة، تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى وتثبيت واقع أمني إقليمي جديد.
يرصد هذا التحليل الاستراتيجي السياسات الجديدة للولايات المتحدة وإسرائيل تجاه طهران للفترة القادمة، خاصة مع دخول عام 2026.
# الاستراتيجية الأمريكية: إعادة تعريف "الضغط الأقصى"
تتجه السياسة الأمريكية، خاصة في ظل الإدارة الحالية، نحو تبني ما يمكن تسميته بـ "الدبلوماسية القسرية". لم تعد واشنطن تتفاوض من موقع محايد، بل من موقع تفاوضي معزز عسكرياً بعد نتائج المواجهة الأخيرة، معتمدة على ثلاثة محاور حاسمة:
* الردع النووي الفوري: يظل الهدف الأسمى هو منع إيران من امتلاك السلاح النووي. ومع إظهار القدرة على استخدام القوة العسكرية المباشرة والمدمجة، تسعى واشنطن لرفع تكلفة أي محاولة إيرانية لإعادة بناء أو تسريع برنامجها النووي.
* تفكيك شبكة الوكلاء والتكامل الإقليمي: تستغل الولايات المتحدة الضعف الذي أصاب شبكة الوكلاء الإقليمية لطهران (حزب الله، الحوثيين، إلخ) نتيجة للصراعات الأخيرة. الهدف هو إضعاف "عمق إيران الاستراتيجي" وتقليل قدرتها على استخدام هذه المجموعات كأداة للمساومة أو الردع، بالتزامن مع تعزيز التكامل الدفاعي الإقليمي بين حلفائها لملء أي فراغ أمني.
* تغيير مسار النظام (Change-of-Course): يتمثل الهدف الأقل تصريحاً في استخدام العقوبات المشددة (التي تشبه "الضغط الأقصى" المحدث) لإنهاك الاقتصاد الإيراني، أملاً في إجبار النظام على تغيير جذري في سلوكه الإقليمي، أو إحداث تحول داخلي تدريجي في تركيبة الحكم.
النتيجة المتوقعة: لن تتخلى واشنطن عن العقوبات، بل ستستخدمها كأداة رئيسية، مع إبقاء خيار القوة العسكرية كـ "سيف مسلّط" على الطاولة، مما يجعل أي محادثات مستقبلية مرهونة بالقبول الإيراني بشروط أمريكية صارمة تتجاوز الإطار النووي.
#الاستراتيجية الإسرائيلية: من "حرب الظل" إلى "الاستنزاف المتقطع"
بعد المواجهة المباشرة، تحولت الاستراتيجية الإسرائيلية من سياسة "الغموض" إلى استراتيجية أكثر وضوحاً وحزماً، تركز على الاستنزاف طويل الأجل ومنع إعادة بناء القدرات الإيرانية التي تضررت في حرب حزيران.
تكتيك "جز العشب" الاستراتيجي:
تعتمد إسرائيل الآن تكتيكاً مزدوجاً للتعامل مع طهران:
* العمليات السرية والاستخباراتية: تُعد هذه العمليات، التي يشرف عليها جهاز الموساد، العمود الفقري للاستراتيجية الإسرائيلية. وتشمل استهداف العلماء، تخريب المواقع النووية الحساسة، والحرب السيبرانية لتعطيل البنية التحتية العسكرية. الهدف هو تعطيل مستمر للبرنامجين النووي والصاروخي دون الحاجة إلى حرب واسعة النطاق.
* الضربات المتقطعة والدقيقة: بدلاً من المواجهة الشاملة، من المرجح أن تلجأ إسرائيل إلى الغارات الجوية المحدودة (تكتيك "جز العشب") كلما رصدت محاولات إيرانية جادة لإعادة بناء قدراتها العسكرية الحيوية التي دمرت في حرب يونيو 2025. لكن التحدي الأكبر هنا يكمن في "ميزان التحمل" الإيراني، حيث قد يمتلك النظام القدرة على الاستمرار في إعادة البناء بمعدل يفوق وتيرة الاستنزاف الإسرائيلي.
النتيجة المتوقعة: ستكون إسرائيل هي الطرف المركزي والفاعل في هندسة الأمن الإقليمي. من المتوقع أن تستمر في تكثيف الضغط على أذرع إيران لضمان عدم عودتها إلى سابق عهدها كقوة تهديد مباشرة على حدودها.
#خلاصة وتحديات: مرحلة "التوتر الاستراتيجي الممتد"
التحليل يشير إلى أن المنطقة دخلت في مرحلة جديدة تُعرف بـ "التوتر الاستراتيجي الممتد". هناك توافق أمريكي إسرائيلي كامل على أن الصراع مع إيران ليس قابلاً للحل في الأفق القريب، وأن العمل المشترك هو الضامن الوحيد للاستقرار الهش.
رد الفعل الإيراني المتوقع (تحديات الاستراتيجية الجديدة):
من المتوقع أن ترد طهران على استراتيجيتي التفكيك والاستنزاف بالتركيز على الردع غير المتماثل. هذا يشمل تكثيف برنامجها الصاروخي الدقيق والتركيز على القدرات السيبرانية، بالإضافة إلى الردود التي يصعب إسنادها إليها مباشرة، مما قد يشعل توترات جديدة في مضيق هرمز أو عبر الحدود البرية.
الحقيقة الجوهرية:
إن النجاحات العسكرية المشتركة التي تحققت خلال "حرب الـ 12 يوماً" تعتبر بالنسبة لواشنطن وتل أبيب فرصة استراتيجية يجب البناء عليها، وليس نهاية المطاف. ورغم تفضيل الاستنزاف المتقطع، تظل احتمالية العودة إلى المواجهة العسكرية الشاملة قائمة في حال شعرت أي من الأطراف بتهديد وجودي أو بضرورة كسر قواعد اللعبة المعمول بها.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن عام 2026 سيكون عاماً لاستكمال تثبيت قواعد الردع الجديدة، وسط ترقب دولي لأي شرارة قد تعيد المنطقة إلى حافة الهاوية.













