17 ديسمبر: اليوم الذي كسر حدود الجغرافيا

بقلم محمد الصالحين الهوني كانون1/ديسمبر 17, 2025 283

17 ديسمبر: اليوم الذي كسر حدود الجغرافيا

لحظة فارقة في التاريخ التونسي والعربي
“هرمنا من أجل هذه اللحظة”، العبارة التي نطق بها مواطن تونسي بسيط في الأيام الأولى لسقوط النظام، لم تكن مجرد صرخة عاطفية، بل تحولت إلى مفتاح لفهم معنى الثورة التونسية وما تلاها من امتداد عربي. فهي تختزل شعور جيل كامل عاش عقودًا من الانتظار تحت ثقل الاستبداد، ثم وجد نفسه فجأة أمام لحظة تاريخية كسرت جدار الخوف وفتحت الباب أمام إمكانية التغيير.

في مثل هذا اليوم السابع عشر من شهر ديسمبر، تعود الذاكرة إلى لحظة فارقة في التاريخ التونسي والعربي، لحظة انطلقت من محافظة سيدي بوزيد لتتحول إلى حدث يتجاوز حدود المكان والزمان، وتفتح الباب أمام ما سُمّي لاحقًا بالربيع العربي.

إن قراءة هذه الذكرى لا يمكن أن تقتصر على بعدها المحلي، فهي في جوهرها لحظة عربية بامتياز، لحظة كسرت حدود الجغرافيا، إذ سرعان ما انتقلت شرارتها إلى بلدان أخرى، وألهمت شعوبًا كانت تبحث عن صوتها في مواجهة أنظمة مغلقة، وأعادت طرح أسئلة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في فضاء كان يرزح طويلًا تحت ثقل الاستبداد.

الثورة التونسية لم تكن مجرد انتفاضة اجتماعية، بل كانت إعلانًا عن ميلاد مرحلة جديدة في الوعي الجمعي العربي، مرحلة كسرت حاجز الخوف وفتحت المجال أمام إمكانية التغيير، حتى وإن كان هذا التغيير محفوفًا بالمخاطر والتعقيدات.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد مرور أربعة عشر عاما على تلك اللحظة، هو ما إذا كان الربيع العربي ما زال حيا كفكرة، رغم تعثراته وانكساراته

لقد اختارت تونس مسارًا يختلف عن كثير من البلدان التي شهدت موجات احتجاج مشابهة، إذ اتجهت نحو بناء المؤسسات وتكريس الديمقراطية عبر دستور جديد وانتخابات تعددية وتداول سلمي على السلطة، ورغم ما شاب هذا المسار من تعثرات اقتصادية واجتماعية، فإنه ظل يمثل تجربة فريدة في المنطقة، تجربة حاولت أن توازن بين مطلب الحرية ومطلب الاستقرار، وأن تجعل من الحوار الوطني والمجتمع المدني ركيزة أساسية في إدارة الخلافات.

في المقابل، بلدان أخرى مثل مصر وليبيا واليمن وسوريا واجهت مسارات مختلفة تمامًا، بعضها انزلق سريعًا إلى الفوضى والحروب الأهلية، وبعضها عاد إلى أنماط الحكم القديمة بأشكال جديدة، وبعضها تحول إلى مأساة إنسانية مفتوحة على المجهول.

هذه المقارنة بين المسارات تكشف أن الشرارة نفسها يمكن أن تنتج نتائج متناقضة، وأن السياقات السياسية والاجتماعية لكل بلد لعبت دورًا حاسمًا في تحديد مآلات الأحداث.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد مرور خمسة عشر عامًا على تلك اللحظة، هو ما إذا كان الربيع العربي ما زال حيًا كفكرة، رغم تعثراته وانكساراته.

من زاوية الواقع السياسي، يبدو أن كثيرًا من الأنظمة أعادت إنتاج نفسها، وأن موجة التغيير قد تراجعت أمام عودة القبضة الأمنية أو أمام الفوضى التي أنهكت المجتمعات. لكن من زاوية الفكرة، فإن المطالب التي رفعتها الجماهير في تونس وفي غيرها لم تختفِ، بل بقيت كامنة في الوعي الجمعي، تنتظر ظروفًا جديدة لتعود إلى السطح.

إن الشعوب التي خرجت إلى الشوارع لم تنس الدرس، ولم تتخل عن حلمها في الحرية والكرامة، حتى وإن بدا هذا الحلم بعيد المنال في اللحظة الراهنة.

ذكرى 17 ديسمبر إذن ليست مجرد محطة تونسية، بل هي علامة فارقة في التاريخ العربي الحديث، تذكّرنا بأن التغيير ممكن، وأن الشعوب قادرة على كسر جدار الصمت حين تصل إلى لحظة الانفجار.

وهي أيضًا دعوة إلى التفكير في المستقبل، في كيفية استعادة روح ذلك الربيع بروح جديدة أكثر نضجًا وأقل عفوية، روح تستفيد من دروس الماضي وتتفادى أخطاءه، وتبحث عن صيغ مبتكرة لتحقيق التوازن بين الحرية والاستقرار، بين الديمقراطية والتنمية، بين الطموح الفردي والمصلحة الجماعية.

إن الثورة التونسية كبداية للربيع العربي تظل حدثًا مفتوحًا على التأويل، فهي لم تنتهِ بعد، بل ما زالت تطرح أسئلة ملحّة حول طبيعة السلطة، وحول دور المجتمع المدني، وحول قدرة الشعوب على صياغة مصيرها بأيديها.

بهذا المعنى، فإن الكتابة عن ذكرى 17 ديسمبر هي كتابة عن فكرة لم تمت، وعن حلم لم ينطفئ، وعن مسار ما زال يتشكل رغم كل العثرات.

إنها مناسبة لإعادة طرح السؤال الأهم: ليس هل انتهى الربيع العربي، بل كيف يمكن أن يُستعاد بروح جديدة، وكيف يمكن أن تتحول تلك اللحظة التاريخية إلى مشروع مستقبلي يفتح أمام الأجيال القادمة أفقًا أوسع للحرية والكرامة والعدالة.

محمد الصالحين الهوني 
رئيس التحرير

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه