"مثلث الانهيار" تحليل للموقف الإيراني وسيناريوهات المواجهة المقبلة

بقلم اللواء الركن ضرغام زهير الخفاجي كانون1/ديسمبر 30, 2025 1402

اللواء الركن ضرغام زهير الخفاجي
كاتب وباحث في قضايا الأمن الإقليمي
خبير في شؤون الدفاع والتدريب والعلاقات الدولية

* المقدمة

تشهد إيران في أواخر عام 2025 أزمة اقتصادية واجتماعية حادة نتيجة تراكم العقوبات الدولية وتراجع إيرادات النفط كرافد أساسي للدخل وهو ما أضعف قدرة الدولة على الحفاظ على استقرار نقدي طويل الأمد. وقد شهدت العملة الوطنية (الريال) هبوطاً غير مسبوق مقابل الدولار مما أثار موجة احتجاجات شعبية في مدن عدة وزاد الضغط على الحكومة والمؤسسات الاقتصادية.
تجلّت انعكاسات هذه الأزمة في ركود اقتصادي حاد وارتفاع معدلات التضخم والبطالة ما أدى إلى تآكل القاعدة الاجتماعية للنظام وفرض أعباء متزايدة على مؤسساته المالية والإدارية محدوداً بذلك هامش المناورة أمام صانع القرار الإيراني.
وأضافت حرب الأيام الاثني عشر بعداً أكثر تعقيدًا للمشهد إذ تكبّدت طهران وفق تقديرات متقاطعة خسائر كبيرة على المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية شملت تدمير منظوماتها الجوية والصاروخية بشكل مؤثر وتعطيل أجزاء حساسة من برنامجها النووي فضلاً عن اغتيال عدد من القادة العسكريين والعلماء من الصف الأول وهو ما شكل ضربة نوعية لقدراتها التقنية ومنظومة القيادة.
في مواجهة هذا النزيف متعدد الأبعاد لم يكن أمام إيران خيار سوى الرد بقوة لاستعادة توازن الردع والحفاظ على صورتها الإقليمية. ورغم الكلفة العالية لهذه الردود فقد أسهمت في إرباك الحسابات الإسرائيلية واضطرت تل أبيب إلى القبول بوقف إطلاق نار مرحلي تحت ضغط الاستنزاف المتبادل وتصاعد القلق الداخلي.

*الضوء الأخضر
خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأخيرة برز تحول لافت في الموقف الأميركي. فقد منحت إدارة الرئيس دونالد ترامب وفق معطيات سياسية وإعلامية الضوءًا الأخضر لإسرائيل لتنفيذ ضربة جديدة ضد إيران تستهدف هذه المرة البرنامج الصاروخي بشكل مباشر. وتشير التقديرات إلى أن أي تأكيد على إعادة تفعيل البرنامج النووي الإيراني سيقود إلى ضربة مشتركة أميركية–إسرائيلية أوسع نطاقًا وأشد تأثيرًا تتجاوز ما شهدته المواجهة السابقة.

*مثلث الانهيار
أفرزت الحرب واقعًا ضاغطًا على الداخل الإيراني. فاندفاع النظام نحو إعادة بناء ما دمّرته الحرب وتشغيل مصانع الصواريخ بأقصى طاقتها الإنتاجية لتأمين ردع سريع وفعّال يضع الاقتصاد الإيراني أمام معادلة صعبة جدا. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ مثلث الانهيار:
• انهيار العملة بفعل الاستنزاف المالي والعقوبات
• انهيار الاقتصاد نتيجة شلل الاستثمار والتجارة وتآكل القدرة الشرائية
• انهيار الأمن الداخلي مع تصاعد الاحتقان الشعبي واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
هذا المثلث لا يعمل بمعزل بل يغذي بعضه بعضًا ويحوّل أي مغامرة عسكرية جديدة إلى كارثة قد تحرق المنطقة بشكل مؤثر.

*تفكك العمق الإقليمي
لم تقتصر تداعيات الحرب والضغوط الدولية على الداخل الإيراني بل امتدت لتصيب شبكة الأذرع الإقليمية التي شكّلت لعقود العمق الاستراتيجي لطهران. ففي سوريا انتهى النفوذ الإيراني ميدانيًا وأمنيًا بعد سقوط نظام الأسد ما أفقد ايران ساحة مهمة وحساسة ومؤثرة وقطع خطوط الإمداد لحزب الله في لبنان . وفي العراق فقدت الفصائل المسلحة الداعمة لإيران جزءًا كبيرًا من نفوذها السياسي والأمني تحت ضغط الشارع وتغيّر المزاج السياسي لاحزاب السلطة ومحاولات الدولة استعادة القرار السيادي. أما في لبنان فيواجه حزب الله مرحلة إنهاك غير مسبوقة وضغوط محلية و دولية لنزع سلاحه حيث تراجعت فعاليته الردعية بفعل الاستنزاف الاقتصادي وتآكل الغطاء الشعبي وتزايد القيود الدولية بينما بات أي تصعيد عسكري يحمل كلفة داخلية تفوق قدرته على الاحتمال. وفي اليمن دخل الحوثيون مرحلة استنزاف طويلة مع تقلّص قدرتهم على المبادرة واتساع دائرة الاستهداف ما حوّلهم من أداة ضغط فاعلة إلى عبء عملياتي وسياسي على طهران.

*العراق خارج الفلك الإيراني
يمثل العراق اليوم إحدى أخطر نقاط التحول في المشهد الإقليمي. فالاتجاه المتصاعد نحو تشكيل حكومة عراقية خارج النطاق الإيراني مدفوعًا بإرادة داخلية وضغط امريكي ودعم إقليمي ودولي يسهم في تقليص قدرة طهران على استخدام بغداد كمنفذ سياسي أو اقتصادي. ويُضاف إلى ذلك تجفيف المصادر و إفلاس الخزينة العراقية عمليًا نتيجة تراكم الأزمات المالية وسوء الإدارة وتضخم الإنفاق يجعل من المستحيل على العراق تقديم أي دعم مالي أو لوجستي لإيران أو لأذرعها. بل إن بغداد باتت منشغلة بتأمين بقائها الاقتصادي واستقرارها الداخلي ما يغلق أحد أهم الشرايين التي اعتمدت عليها طهران في الالتفاف على العقوبات واستدامة نفوذها الإقليمي.

*عودة الردع: ذراع ايران الطويل الذي لا يقهر
على الرغم من الخسائر الواسعة التي تكبّدتها إيران خلال الحرب فإنها لم تتجه إلى خيار الانكفاء بل شرعت بسرعة في إعادة بناء قدراتها العسكرية وترميم جزء معتبر مما تضرر من بنيتها الدفاعية. وقد شمل ذلك إعادة تشغيل خطوط إنتاج الطائرات المسيّرة والذخائر والصواريخ الباليستية والفرط صوتية إلى جانب تسريع برامج التعويض الصناعي والعسكري بهدف تقليص الفجوة التي أحدثتها الضربات.
وتشير تقديرات تحليلية إلى أن طهران تعمل على تطوير قدرات نوعية تتعلق بمديات الصواريخ ومستويات التأثير التدميري في إطار السعي إلى بناء منظومة ردع بديلة لا تصل إلى العتبة النووية التقليدية لكنها تحقق تأثيرًا ردعيًا مرتفعًا. ويُدرج في هذا السياق الحديث عن ذخائر عالية التأثير بعضها مصنف ضمن الفئة الكيميائية أو ما يُشار إليه بالأسلحة الإشعاعية ذات الخصائص “شبه النووية” والتي تهدف إلى تعظيم الأثر العملياتي دون الانخراط في مواجهة نووية مباشرة.
ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية إيرانية تقوم على تعويض التفوق الجوي والتقني للخصوم عبر الكمّ والانتشار وتعدد وسائل الإيصال بما في ذلك إعادة تصنيع أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وتسعى طهران من خلال ذلك إلى ترسيخ معادلة ردع تقوم على رفع كلفة أي ضربة استباقية محتملة وجعل خيار توجيه الضربة الأولى محفوفًا بمخاطر واسعة النطاق سواء على المستوى العسكري أو الإقليمي.

*السيناريو الإسرائيلي
وفق هذه التصورات تميل إسرائيل إلى تبنّي مقاربة تقوم على رفع مستوى التصعيد إلى سقوف عليا مع السعي إلى إشراك الولايات المتحدة وشركاء دوليين انطلاقًا من تقدير مفاده أن تمكّن إيران من توجيه الضربة الأولى أو تنفيذ رد واسع على أي ضربة استباقية إسرائيلية قد يفضي إلى تداعيات شديدة التأثير على توازن الردع الإقليمي. لذلك تُفضّل تل أبيب العمل ضمن إطار هجوم مبادر ومدعوم دوليًا يحدّ من قدرة طهران على التحكم بإيقاع المواجهة.
وتشير المؤشرات السياسية والعسكرية المتداولة إلى أن المنطقة قد تكون أمام مرحلة تصعيد محتملة خلال أسابيع أو أشهر قادمة في حال تعثّر المسار التفاوضي وعدم التوصل إلى تفاهمات مرضية تتعلق بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. وفي هذا السياق يمكن تصنيف الخيارات الإسرائيلية المطروحة ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: الاستهداف الاقتصادي العسكري الاستراتيجي
يرتكز هذا السيناريو على توجيه ضربات واسعة ومركزة تستهدف البرنامج الصاروخي ومنظومات الطائرات المسيّرة بهدف شلّها بصورة شبه كاملة بالتوازي مع ضرب البنى التحتية الاقتصادية الحيوية بما في ذلك الموانئ ومنشآت تصدير النفط والمصافي وشبكات النقل البحري. ويهدف هذا المسار إلى تقليص الموارد المالية للدولة الإيرانية ومنعها من إعادة بناء برامجها العسكرية عبر إحداث تلازم بين الإضعاف العسكري والخنق الاقتصادي طويل الأمد.

السيناريو الثاني: إضعاف منظومة القيادة والسيطرة
يقوم هذا الخيار على استهداف قيادات الصف الأول والمنشآت الرئيسية التابعة لـ الحرس الثوري بما يؤدي إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة وتقليص قدرة الأجهزة الأمنية على إدارة الأزمات الداخلية. ويهدف هذا السيناريو إلى زيادة الضغوط الداخلية من خلال إثارة حالة من التململ الشعبي وتصعيد الغضب الجماهيري بما يسهم في إضعاف تماسك النظام دون الانخراط في حرب شاملة.

السيناريو الثالث: التصعيد الاستثنائي المشروط
يُعد هذا السيناريو الأكثر حساسية والأقل احتمالًا ويتمثل في اللجوء إلى ضربة عالية الشدة ومحدودة النطاق من قبل أمريكا و إسرائيل في حال استخدام إيران أسلحة وصاوريخ محظورة دوليًا ومزودة بالعوامل الكيميائية أو الذخائر ذات التأثير الإشعاعي المرتفع والتي قد تسبب خسائر فادحة في الجانب الإسرائيلي.

*الاستنتاج
تقف إيران اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي:
• أما الاستمرار في سباق إعادة بناء الردع النووي و الصاروخي مهما بلغت الكلفة بما يسرّع تشكّل مثلث الانهيار للنظام أن لم تدارك الوضع الاقتصادي.
• أو القبول بإعادة تعريف دورها الإقليمي ضمن حدود قدرتها الاقتصادية والسياسية.
وبين هذين الخيارين يبقى الشرق الأوسط بأسره معلقًا على خيط رفيع قد يكفي قطعه لإشعال جولة أشد عنفًا وتعقيدًا من كل ما سبق.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه