"العين بالعين" في السياسة: حين يتحول الردع إلى خراب أخلاقي وإنساني
الدكتور خالد الحديثي
يُعد مبدأ "العين بالعين" من أقدم المفاهيم التي عرفتها البشرية في تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وقد نشأ في سياق قانوني بدائي هدفه الحد من الانتقام غير المنضبط. إلا أن نقل هذا المبدأ إلى ميدان السياسة والعلاقات الدولية لم يؤدِّ إلى تحقيق العدالة أو الاستقرار، بل ساهم في تعقيد الصراعات، وتوسيع دوائر العنف، وتدمير الأسس الإنسانية والأخلاقية التي يفترض أن تضبط استخدام القوة والسلطة.
الجذور التاريخية للمبدأ وتحوله السياسي
في أصله التاريخي، كان مبدأ " العين بالعين" محاولة لتقييد الثأر لا لتوسيعه، حيث حدد العقوبة بحدود الضرر الواقع. غير أن السياسة الحديثة أعادت توظيف هذا المبدأ بصورة مغايرة، فتحول من أداة تنظيمية إلى ذريعة لتبرير الردود القاسية، ومن مفهوم قانوني محدود إلى عقيدة سياسية تُدار بها الدول أزماتها وصراعاتها.
ومع هذا التحول، لم يعد الهدف منع التمادي، بل فرض الهيمنة وإظهار القوة، حتى وإن كان الثمن تفكيك المجتمعات وتدمير الاستقرار الإقليمي والدولي.
منطق الرد بالمثل وتعقيد الأزمات السياسية
عندما تُدار السياسة بمنطق الرد بالمثل، تصبح القرارات أسيرة اللحظة والانفعال، لا نتاج رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فكل إجراء عقابي يولّد ردا مضادا، وكل ضربة تستدعي ضربة أشد، لتدخل الأطراف المتنازعة في حلقة مفرغة من التصعيد المتبادل.
هذا المنطق لا يحل الأزمات، بل يطيل عمرها، ويحوّل الخلافات القابلة للحل إلى صراعات مفتوحة، ويغلق أبواب التفاوض والتسوية، لأن أي تنازل يُفسَّر حينها على أنه ضعف لا حكمة.
تآكل المبادئ الإنسانية والأخلاقية
أخطر ما يترتب على تسلّل مبدأ " العين بالعين" إلى السياسة هو تراجع الاعتبارات الإنسانية. فبدل حماية المدنيين، واحترام الكرامة البشرية، وتفريق المسؤولية الفردية عن الجماعية، يتم تبرير العقوبات الجماعية، وتُهمّش حقوق الإنسان تحت شعارات الأمن والردع.
وهكذا يُختزل الإنسان إلى رقم في معادلة سياسية، وتُبرَّر المعاناة باعتبارها "ثمنا ضروريا"، ما يؤدي إلى انهيار منظومة القيم التي يفترض أن تشكل الحد الأدنى للأخلاق السياسية.
ازدواجية المعايير وفقدان الشرعية
السياسة المبنية على " العين بالعين" لا تُمارَس بمعايير ثابتة، بل تخضع لموازين القوة والمصالح. ما يُدان عند طرف يُبرَّر عند آخر، وما يُعدّ جريمة في سياق يصبح "دفاعا مشروعا" في سياق مختلف.
هذه الازدواجية تُفقد القوانين الدولية مصداقيتها، وتضعف الثقة بالمؤسسات، وتكرّس شعور الظلم، ما يغذي التطرف ويزيد من هشاشة النظام الدولي.
النتائج بعيدة المدى: عالم يتآكل من الداخل
إن الإصرار على اعتماد منطق القصاص السياسي لا يخلّف آثارا مؤقتة فحسب، بل يراكم أزمات ممتدة تتجاوز حدود اللحظة السياسية. فهذا النهج يكرّس ذاكرة جماعية مثقلة بالأحقاد، ويُضعف التماسك الاجتماعي داخل الدول والمجتمعات المتأثرة، حيث تتحول الصراعات إلى هويات متوارثة لا إلى خلافات قابلة للحل. ومع مرور الوقت، يُطَبَّع العنف بوصفه أداة "مشروعة" لإدارة النزاعات، وتتراجع فرص بناء سلام مستدام قائم على الثقة والعدالة. وهكذا لا تقتصر الخسارة على الحاضر، بل تمتد آثارها إلى الأجيال اللاحقة، التي ترث الصراع بدل أن ترث حلولا له.
البديل الأخلاقي والسياسي
إن تجاوز مبدأ "العين بالعين" لا يعني التفريط في الحقوق أو الدعوة إلى الضعف، بل يمثل انتقالا واعيا من منطق الانتقام إلى منطق العدالة الرشيدة. ويقوم هذا البديل على إحلال المساءلة القانونية محل الثأر، واعتماد الحوار المشروط بدل التصعيد المفتوح، وربط استخدام القوة بأطر أخلاقية وقانونية واضحة لا تُفرَّغ من مضمونها عند الأزمات. كما يتطلب الأمر تبنّي مقاربات العدالة التصالحية متى ما توفرت شروطها، باعتبارها أداة لإعادة بناء الثقة لا مجرد إنهاء مؤقت للصراع. فالقوة التي تُمارَس بلا ضوابط أخلاقية سرعان ما تتحول إلى عبء سياسي وإنساني، بينما القوة المحكومة بالحكمة قادرة على صون الأمن دون التضحية بالقيم.
لقد أثبتت التجارب السياسية أن " العين بالعين" حين تصبح عقيدة حكم، تُعمي الجميع، وتدفع العالم نحو مزيد من الفوضى والعنف. فالسياسة الحقيقية لا تُقاس بقدرة الدول على الرد، بل بقدرتها على كسر دوائر الكراهية، وبناء نظام يقوم على العدالة والإنسانية لا على الانتقام.
وما لم يُعاد الاعتبار للأخلاق كمرجعية في السياسة، فإن الأزمات ستظل تتكرر، وسيبقى العالم يدفع ثمن منطق لم يُنتج يوما سلاما، بل مزيدا من الدمار.












