عبدالقادر حداد
من لا يحترم مواطنيه ولا يوفّر لهم عيشًا كريم، لا يطلب منهم دفاعًا عظيم، فالدفاع عن الأوطان لا يُستدعى بالأوامر ولا يُنتزع بالقوة، بل يُولد طبيعيًا من شعور عميق بالانتماء والعدالة والكرامة. إن الدول التي تفشل في صون حقوق مواطنيها الأساسية، وتتركهم أسرى الفقر والبطالة وانعدام الخدمات، ثم تطالبهم في لحظة خطر بأن يكونوا في الصفوف الأولى للدفاع عنها، إنما تقع في تناقض أخلاقي وسياسي فادح، لأن العلاقة بين المواطن والدولة ليست علاقة واجب أحادي، بل عقد متبادل يقوم على الحقوق قبل الواجبات .
التاريخ السياسي للدول يثبت أن الجيوش الأكثر تماسكًا، والمجتمعات الأشد صلابة في مواجهة التهديدات، هي تلك التي شعرت بأن دولها تمثلها فعلًا، وتحمي كرامتها، وتكافئ ولاءها بالعدالة وتكافؤ الفرص. أما الدول التي تُدار بعقلية الإهمال أو الإقصاء أو التمييز، فإنها تفقد تدريجيًا رأس مالها الأهم إلا و هو "الإنسان" .
وحين يُهان المواطن في معيشته، ويُحرم من أبسط مقومات الحياة الكريمة، ويتحول القانون إلى أداة ضدّه بدل أن يكون مظلة له، يصبح الدفاع عن الدولة في نظره دفاعًا عن منظومة لا تمثله، بل تثقل كاهله .
الوطنية الحقيقية لا تُقاس بشدة الخطاب ولا بكثرة الشعارات، بل بقدرة الدولة على تحويل الانتماء إلى تجربة يومية ملموسة، يشعر فيها المواطن أن جهده مصان، وصوته مسموع، ومستقبله غير مرهون بالمحسوبية أو الولاءات الضيقة. وعندما تغيب هذه المعادلة، يصبح طلب “الدفاع العظيم” مجرد مطالبة عاطفية لا تستند إلى أساس واقعي، لأن من يشعر بالاغتراب داخل وطنه لن يقاتل من أجل نظام لا يراه عادلًا . كما أن اختزال مفهوم الدفاع في البعد العسكري فقط يُعد فهمًا قاصرًا، فالدفاع الحقيقي يبدأ من الدفاع عن العدالة الاجتماعية، وعن التعليم، وعن الصحة، وعن كرامة الفرد في مواجهة الفساد وسوء الإدارة.
فالمواطن الذي تُصان حقوقه، ويُعامل بصفته شريكًا لا تابعًا، هو أول من يقف دفاعًا عن الدولة عند الأزمات، دون حاجة إلى تحريض أو تعبئة قسرية. أما المواطن الذي يشعر بأن الدولة لم تكن يومًا إلى جانبه، فمن غير المنطقي أن يُطلب منه أن يكون الدرع الذي يحميها .
لذلك، فإن بناء دولة قوية لا يمر عبر استنفار الخطابات الوطنية في لحظات الخطر فقط، بل عبر سياسات مستمرة تضع الإنسان في صلب أولوياتها. فالدفاع العظيم لا تصنعه الجبهات وحدها، بل تصنعه العدالة، وتصوغه الثقة، ويغذّيه العيش الكريم. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، سيظل يطالب بما لا يملك أسبابه، وينتظر ولاءً لم يزرع جذوره يومًا في نفوس مواطنيه .













