عبدالقادر حداد
في ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية، بات من الضروري مقاربة المشهد السياسي الجديد بمنطق واقعي يستند إلى موازين القوى الفعلية، لا إلى الرغبات أو الحسابات المؤقتة. فـ«سوريا الجديدة» التي تتبلور ملامحها اليوم لم تعد مجرّد نتاج تسويات داخلية هشة، بل هي مشروع سياسي يحظى بدعم إقليمي ودولي واسع، ويستند إلى شبكة تحالفات استراتيجية تجعل من الصعب القفز عليها أو تجاهل اتجاهها العام . يحظى النظام السوري الجديد بدعم الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها القوة الأعظم عالميًا وصاحبة التأثير الحاسم في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، إلى جانب دعم المملكة العربية السعودية، التي تمثّل إحدى أكبر القوى الاقتصادية والسياسية في المنطقة، وما يترتب على ذلك من إمكانات هائلة في مجالات إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي. ويضاف إلى ذلك الدعم التركي، باعتبار أنقرة عضوًا فاعلًا في حلف شمال الأطلسي وحليفًا استراتيجيًا لواشنطن، فضلًا عن كونها قوة عسكرية متقدمة ودولة ذات ثقلٍ اقتصادي . هذا التلاقي بين واشنطن والرياض وأنقرة يمنح المشروع السياسي السوري الجديد مظلة نادرة تجمع بين القوة العسكرية والغطاء السياسي والقدرة الاقتصادية، وهو ما لم يتوفر لأي صيغة حكم سابقة في سوريا . داخليًا، يستند المشروع السوري الجديد إلى حاضنة بشرية واسعة تمثل الكتلة الديموغرافية الأوسع في المجتمع السوري، وهو عامل لا يمكن التقليل من أهميته في بلد أنهكته الحرب والانقسامات. فشرعية أي نظام سياسي في مرحلة ما بعد الصراع لا تُبنى فقط على الاعتراف الخارجي، بل على القدرة على تمثيل المزاج العام وتقديم نفسه بوصفه خيارًا قابلًا للحياة والاستمرار. وفي هذا السياق، يبرز اعتماد النظام الجديد نهجًا براغماتيًا في إدارة الملفات الداخلية، يقوم على الموازنة بين الحوار ومدّ اليد من جهة، واستخدام القوة عند الضرورة من جهة أخرى، بما يهدف إلى تثبيت سلطة الدولة ومنع الانزلاق مجددًا إلى الفوضى أو التفكك . خارجيًا، يتعامل النظام السوري الجديد مع المجتمع الدولي بمنطق السياسة الناعمة وتخفيف حدة الاستقطاب، في محاولة لإعادة إدماج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي، وكسر عزلتها السياسية والاقتصادية . وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل الدور الوظيفي الذي باتت سوريا تلعبه ضمن الاستراتيجية الأمريكية الأوسع في المنطقة، ولا سيما ما يتعلق بكسر هيمنة إيران وتقويض ما يُعرف بـ«الهلال الإيراني». كما ينسجم الرفض الصريح للنظام السوري الجديد لمشاريع اللامركزية السياسية ودولة المكوّنات مع الرؤية الأمريكية الحالية لسوريا موحّدة ذات سلطة مركزية قادرة على ضبط الجغرافيا ومنع تحوّلها إلى ساحات نفوذ متنازعة . انطلاقًا من هذه المعطيات، كان من المفترض على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أن تضع هذا التحول الجذري في موازين القوى ضمن حساباتها الاستراتيجية، وأن تعيد تقييم خياراتها بعيدًا عن منطق التعنت أو الرهان على ترتيبات مرحلية لم تعد تحظى بالزخم ذاته. فـقسد، بوصفها فاعلًا مرتبطًا إلى حدّ بعيد بالتوازنات الدولية، ليست بمنأى عن تغير أولويات داعميها، ولا سيما في ظل التقاطع الأمريكي–التركي المتنامي حول وحدة الأراضي السورية ورفض أي كيان ذي طابع انفصالي أو شبه مستقل . إن الاستمرار في تجاهل هذا الواقع ومحاولة فرض شروط خارج سياق التحولات الراهنة قد أفضى إلى تقليص هوامش المناورة المتاحة أمام قسد، وخسارتها للأراضي السورية التي كانت تحت سيطرتها الواحدة تلو الأخرى لصالح الدولة السورية . وعليه فأن الخيار الأكثر عقلانية والذي ينسجم مع المتغيرات في المنطقة بالعموم والداخل السوري بالخصوص، وبما يصب فيه مصلحة سوريا اولا، كان يتمثل بتقديم المواطنة على القومية، والسعي للوصول إلى نقاط تفاهم مشتركة مع النظام السوري الجديد، بما يضمن اندماجًا سياسيًا وأمنيًا ضمن إطار الدولة، ويحفظ في الوقت ذاته حدًا معقولًا من الخصوصية الإدارية دون محاولات المساس بوحدة البلاد أو سيادتها . في المحصلة، يعكس المشهد السوري الراهن انتقال الصراع من مرحلة التوازنات الهشة إلى مرحلة ترجيح الكفة لصالح مشروع الدولة المدعوم بتحالفات قوية ورؤية سياسية واضحة.













