" لعبان نفس "

بقلم شوقي كريم حسن شباط/فبراير 06, 2026 467

(مسرودة خارج التجنيس)
شوقي كريم حسن

«أعمق ما في الإنسان ليس أفكاره، بل ما يحاول ألّا يشعر به ولا يطالب غيره بالإيمان به.»
( شوقيا)
برغم ما يدعيه من ماعرف وعلوم،
لا يعرف بيقين قاطع، متى بدأت المسافة بينه وبين الآخرين تتشكّل.
لم تحدث بغتة، ولم يلاحظها حين عبر الأيام. تشبه تعبًا خفيفًا، لا يلفت الانتباه، لكنه يستقرّ.في الحافلة الصباحية، يجلس قرب النافذة.
الزجاج بارد، المدينة تمرّ كأنها لا تنتظر أحدًا.امرأة جلست إلى جانبه، تحمل حقيبة أكبر من حاجتها.تبادل معها نظرات قصيرة، حيادها مريح، دون فضول.تحرّكت الحافلة.ببطء
الطريق مألوف، ومع ذلك بدا أطول من المعتاد.راقب الوجوه:كل واحد يحمل يومه كما يستطيع،بعضهم بصلابة،بعضهم بإنكار أنيق.حين توقّفت.اهتزّت الأجساد قليلًا.
قال السائق بصوت عادي:— لا تقلقوا عطل بسيط، دقائق ونعيد التشغيل …!!
تنهّد أحدهم…ضحك آخر.تلك الاختلافات الصغيرة في ردّ الفعل شدّته أكثر من العطل نفسه.المرأة التي إلى جانبه قالت بهدوء:
— يبدو أن الصباح لا يحبّ الاستعجال.
مثلما لايحب الإنتظار!!
ابتسم دون أن يلتفت إليها:— ولا نحن نحبّ الانتظار…نشعر معه بالملل والرتابة..!!
— لكننا نجيده… بإتقان وبدقة عاليه!!
هذه الجملة، تحديدًا، بقيت معه.نظر إليها هذه المرّة.مكتشافاً ملامحها العادية،ذلك النوع من الوجوه التي لا تُحفظ بسهولة،لكنها تمنحك شعورًا غير مقلق.قالت بعد ان رتّبت الحقيبة على قدميها:— أحيانًا أفكّر أن الحياة تختبرنا بالوقوف، لا بالمشي… أشعر أن المشي مضيعة أعمارنا!!
لم يجب فورًا.فكّر في كل المواقف التي ظنّ فيها أنه متأخر،ليكتشف أنه في المكان الخطأ من التوقّع.قال:
— والنتيجة؟
— نصل، لكن أقلّ صخبًا.
ضحكت ضحكة خافتة، كأنها تخشى أن تُفهم خطأ.تحرّكت الحافلة من جديد.
المدينة استعادت إيقاعها.الإشارات، الأصوات، العجلات،كل شيء عاد كما كان،إلا تلك المسافة التي شعر أنها صارت أقرب.نزلا في المحطة نفسها.
تقدّمت بخطوتين، ثم توقّفت.
— سررت بالحديث…!!
— وأنا…!!
لم يضيفا شيئًا.لم يك ثمة ما يُقال دون أن يُفسد اللحظة.مشى كلٌّ في اتجاهه.
لكن خطواته أهدأ.كأنه أدرك أن القرب لا يعني البقاء،وأن بعض اللقاءات وُجدت لتذكّرنا أننا ما زلنا قادرين
على الشعور دونما دفاع.دخل المبنى الذي يعمل فيه قبل أن ينظر إلى الساعة.الوقت، حين يفقد حدّته، يصير أقل قسوة.في المصعد، وقف وحده.انعكاسه في المرآة بدا أطول مما يتذكّر.لم يك ذلك بسبب المرآة،
بل لأن داخله تمدّد قليلًا.في المكتب، حيّاه الزملاء بإيماءات سريعة.تلك التحيات التي لا تنتظر ردًّا كاملًا.
جلس إلى مكتبه، فتح الحاسوب،
لكن الشاشة البيضاء أعادته إلى الحافلة،إلى الجملة التي قيلت دونما قصد:—نحن نجيد الانتظار.
بدأ العمل ببطء.لم يكن مشتّتًا،كان أكثر وعيًا بالحركات الصغيرة:صوت لوحة المفاتيح،تنفّس من يجلس خلفه،ورقة تُقلب بحذر.في الاستراحة، خرج إلى الشرفة.المدينة من الأعلى أقل ضجيجًا،كأنها تحاول أن تكون مهذّبة.أخرج هاتفه،توقّف عند اسمٍ لم يتصل به منذ زمن.لم يتّصل.اكتفى بالاعتراف الداخلي:—ما زلت هنا.
عاد إلى الداخل.لتمر ساعات دون مقاومة…حين انتهى الدوام، شعر بخفّة غريبة،كأن شيئًا معقودًا
ثم ارتخى دون إعلان.في الطريق إلى البيت،توقّف عند المخبز.اشترى خبزًا طازجًا،ليس لأنه يحتاجه،بل لأن الرائحة أعادته إلى شيء قديم،غير محدّد،لكنه مألوف.في البيت،وضع الخبز على الطاولة،جلس،ليأكل قطعة صغيرة دون استعجال.تذكّر كيف يأكل واقفًا في السابق،كأن الجلوس ترف مؤجّل.فتح النافذة.الضوء في الخارج مائل،النهار ينسحب بهدوء،لا احتجاج فيه.فكّر بالمرأة في الحافلة.لم يحاول تذكّر ملامحها بدقّة.تركها كما جاءت:
فكرة خفيفة،جملة صادقة،مسافة قصيرة بين غربتين.قال في نفسه:
—-ربما لا نحتاج أن نُفهم بالكامل،
يكفينا أن يُصغى إلينا للحظة..!!
أغلق النافذة.أطفأ الأنوار إلا واحدًا.
جلس في الصمت،دون ان يشعر بالوحدة، ذلك كافيًا ليسمّي اليوم
يومًا.قبل أن ينهض من مكانه، سمع صوتًا خافتًا من الشارع.لم يك نداءً واضحًا، بل حديثًا متقطّعًا، ضحكة تنتهي سريعًا…تلك الأصوات التي لا تطلب انتباهك، لكنها تصل.اقترب من النافذة مرة أخرى.رأى رجلين يقفان عند الزاوية، يتجادلان حول شيء صغير،ثم تصالحا دون أن يتّفقا.
ابتسم.بعض الخلافات، فكّر، لا تحتاج حلًّا، بل مرورًا فقط.عاد إلى الداخل.
جلس على الأرض هذه المرّة، مسندًا ظهره إلى الجدار.شاعرا ببرودة خفيفة،تذكير بأن الجسد حاضر مهما حاولنا تجاهله.أغمض عينيه للحظات.
لم يستدعِ ذكرى بعينها.ترك الصور تأتي كما تشاء،ثم تذهب دون مقاومة.
تذكّر أنه نسي أن يأخذ رقم المرأة في الحافلة.الفكرة مرّت دون أسف.
لم يك كل ما يمرّ بنا مطالبًا بالبقاء.
نهض…رتّب المكان ببطء،لا بدافع النظام،بل نوع من الحوار الصامت مع الأشياء.عند السرير،جلس قليلًا قبل أن ينام.هذا التوقّف القصير صار عادة،
كأنه يمنح اليوم فرصة أخيرة ليقول ما لم يقله.فكّر:—نحن لا نعيش اللحظات الكبيرة ،نعيش ما بينها…وهناك، بالضبط، نتكوّن…!!
أطفأ الضوء الأخير.الظلام لم يك كاملًا.
تسلّل ضوء الشارع إلى الغرفة،خطّ رفيع على الجدار.استلقى. استقر تنفّسه.وللمرة الأولى منذ وقت طويل،
لم يحاول أن يكون شخصًا آخر.نام،
المسافة القريبة لم تعد مسافة.
ظلّ ساكنًا للحظة بعد أن أغمض عينيه،لم يك ثمة خوف من الغد، ولا ندم على الأمس… وعي خافت، لطيف، بأن الحياة لا تُقاس بما يحدث، بل بكيفية شعورنا بها ونحن نمرّ بها.
ابتسم داخليًا، كما لو أن قلبه همس له بصوت صغير:—كل شيء، حتى المسافة التي نظنها بعيدة، يمكن أن تصبح قريبة إذا سمحنا لها بذلك.
غابت الضوضاء، صار كل شيء صامتًا إلا لنفَسه،الصوت الوحيد الذي يحتاجه الآن.نام، وقد شعر لأول مرة منذ زمن بأن العالم لا يضغط عليه،
بل يمشي معه، خطوة بخطوة،
مسافة قريبة،قريبة بما يكفي لتذكره أن الوجود ليس وحده،وأن القرب الحقيقي يبدأ دائمًا من الداخل…
من الداخل لاغير..!!

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه