"صندقچة الونداوي" تدمير القدرات العسكرية للعرب سياسة ثابتة

بقلم الدكتور مؤيد الونداوي شباط/فبراير 06, 2026 1173

الدكتور مؤيد الونداوي

على مدى قرن من تاريخ العرب الحديث كانت سياسة الغرب تعتمد تدمير القدرات العسكرية للعرب بشكل ثابت. هنا يعود بنا التاريخ لنستذكر الى تدمير القدرات المصرية أيام السلطان محمد علي، ولكن ان تتبعنا ما حصل لاحقا سنكتشف بشكل افضل هذه السياسة. للنصف الأول من القرن الماضي لم يسمح ببناء جيوش عربية مقتدرة ولم يسمح حتى ببناء صناعات عسكرية. في المقابل جرى مد الحكومات العربية بأسلحة لتستخدم للأمن الداخلي وليس الدفاع الوطني وجهزت بأعتدة قتال لا تزيد عن خمسة أيام. وتقاسم الغرب فيما بينه كيف يتم مد العرب بالأسلحة كما ونوعا وكيف يتم استنزاف جيوشهم بحروب داخلية. وكانت السياسة العامة بهذا الشأن هي تحطيم القدرات العسكرية متى ما وجد انها نمت الى حد قد تستخدم ضد مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة وهنالك تجارب ودلائل تؤكد ذلك من منع العرب من ان يكونوا طرفا في أي سباق تسلح ويشمل ذلك حرمانهم لوقت من الحصول على السلاح او شن الحروب تحت ذرائع مختلفة ولنا في حرب العراق عام 1941 والعدوان الثلاثي على مصر خير دليل ولاحقا ما حصل عام 1967 وأخيرا وليس اخر تدمير وتحطيم الجيش العراقي وصناعته العسكرية عام 2003 وبقية التفاصيل ذات الصلة حتما معروفة لمن يطالع هذه السطور.
اليوم اعرض لكم مراسلة بريطانية تعود الى عام 1952 تشرح كيف يتم التفكير في الأمور التي اطرحها عليكم في هذا المنشور، وحتما مساهماتكم ستغنيه...........

سري
(1057/8/52)
السفارة البريطانية، بغداد
8 نيسان/أبريل 1952
الى: السير جيمس بوكر، K.C.M.G.، وزارة الخارجية، لندن S.W.1.
عزيزي جيم،
لقد قرأت باهتمام مذكرة رابّ رقم 1 (110/51/1) المؤرخة 26 شباط/فبراير بشأن سياستنا العامة في الشرق الأوسط، وأود أن أعلّق على بعض النقاط التي يثيرها.
2. أولاً: توريد الأسلحة. ففي نهاية الفقرة 5 يحذر رابّ من الاستجابة لمطالب المعدات لأغراض الهيبة الوطنية. وأنا لا أتفق تماماً مع تصور حصر تزويد الأسلحة بما تحتاجه الدول العربية لأغراض الأمن الداخلي وبما يُزوَّد في إطار دعم دفاع الشرق الأوسط ككل. وأقول إنّه، على الأقل بقدر ما يتعلق الأمر بالعراق (وأشعر بالثقة أن هذا صحيح بالنسبة لمعظم الدول العربية الأخرى)، لا يمكن تجاهل مسألة الهيبة الوطنية إذا أُريدَ التعاون. إن نفوذنا في هذا البلد يعتمد إلى حد كبير جداً على تزويدنا العراق بالأسلحة، كما تعهدنا أن نفعل في معاهدة 1930. وكان ثمة دائماً رد فعل حاد هنا حين نُخفق، في نظر العراقيين، في الوفاء بالتزاماتنا، سواء بسبب نقص الأسلحة أو بسبب مطالب أكثر إلحاحاً في أماكن أخرى. وقد ترك حظر الأسلحة المتعلق بفلسطين، مهما كان لا مفر منه، انطباعاً غير مواتٍ على نحو خاص. وتوفير الأسلحة ليس في العراق مسألة شراء دعم نظامٍ عابر (الفقرة 3 من مذكرة رابّ)، إذ إن النظام كان ملكياً دون انقطاع، باستثناء تمرد رشيد عالي عام 1941. ولكن حتى لو قُرئت كلمة «أنظمة» على أنها «حكومات»، وهي بالتأكيد كانت عابرة هنا، فإن الحجة تظل غير قابلة للتطبيق، لأن توفير الأسلحة هو أحد النقاط القليلة التي كانت ولا تزال تقريباً جميع تيارات الرأي متفقة عليها.
3. كذلك، يرد بوضوح تام في الفقرة 5 من مذكرة الاستخبارات رقم 17 أن الشكل الرئيسي الذي يُتوقع أن يتخذه تعاون دول الشرق الأوسط في الدفاع هو توفير التسهيلات الاستراتيجية أكثر من أي مساهمة فورية بالقوات. وبقدر ما نزود هذه البلدان بالأسلحة، فإن غرضنا ليس مباشرة بناء قوة قتالية فعّالة، بل إدخالها في المزاج الذي يجعلها توفر التسهيلات التي نحتاجها. ويبدو لي أن هذا ينطبق على العراق كما ينطبق على أي بلد عربي آخر. وأضيف فقط أن غرضاً لا يقل أهمية هو وقف أي تغلغل خطير للنفوذ الشيوعي في زمن السلم. وإذا أخفقنا في ذلك، فإننا نخاطر بفقدان إمداداتنا من نفط العراق وكذلك قواعدنا الجوية، وقد ننتهي إلى رؤية الروس يمسكون بزمام البلاد إلى حد يمكنهم معه أن يبدؤوا حرباً كبرى على بعد مئات الأميال إلى الغرب. وأقوى أوراقنا لمنع حدوث مثل هذه الأمور هي بناء الهيبة الوطنية للبلاد، ومن أجل ذلك فإن توريد الأسلحة أمر أساسي. ويبدو لي أنه ما إن تُنشئ بلداً كما أنشأنا العراق، فإنك تُصبح ملتزماً ببناء هيبته الوطنية، والثمن إلى حد كبير هو توريد الأسلحة.
4. كما يقترح رابّ في مذكرته أن علينا أن نحصل على ضمان بأن أي أسلحة تُزوَّد للدول العربية ستُستخدم لتعزيز خططنا نحن، لا، على سبيل المثال، لمهاجمة إسرائيل. غير أن خطر أن يهاجموا بعضهم بعضاً ربما يكون أكثر واقعية، على الأقل فيما يتعلق بالعراق. ولكن كيف لنا أن نحصل على ضمانٍ له قيمة الورق الذي كُتب عليه؟ وحتى لو كانت الدول العربية مستعدة لأن تقدم نوعاً من الضمان الشفهي من هذا القبيل (كما فعلت فيما يتصل بالبيان الثلاثي) فسيكون ذلك تعهداً فارغاً. فمتى امتلكت البلدان العربية السلاح فستظل دائماً هناك إمكانية أن تستخدمه لأغراض لا نوافق عليها. وكل ما يمكننا الاعتماد عليه لمنع ذلك هو ممارسة نفوذنا نحن، مدعوماً إذا لزم الأمر بنفوذ الولايات المتحدة وشركائنا الآخرين في خطة دفاع الشرق الأوسط. ولا يوجد، بالمناسبة، في المعاهدة الأنغلو-عراقية ما يلزم العراقيين على وجه التحديد بأن يستخدموا الأسلحة التي نعطيهم إياها لأي غرض بعينه.
5. تعليق آخر أود أن أبديه هو بشأن اقتراح رابّ في الفقرة 11(أ) من مذكرته بأن «الهدف الأساسي من سياستنا ينبغي أن يكون التكامل الأوثق للأنشطة الاقتصادية والعسكرية والسياسية لدول المشرق والعراق. ولذلك ينبغي ألا نفعل شيئاً يمكن تجنبه من شأنه أن يكرّس الانقسامات القائمة، بل ينبغي أن نؤيد حركةً تصب في صالح نشوء تجمعات سياسية أكبر».
6. لو أمكن التفكير فقط من زاوية علاقاتنا مع العراق، لأيدتُ بحرارة هذه التوصية، لأن أحد الثوابت في السياسة الخارجية العراقية هو تعزيز هلالٍ خصيبٍ موحّد. وأحسب أن العراقيين يستاؤون من حيادنا في هذه المسألة، إذ يعتقدون أنه لو كنا نريد حقاً لاستطعنا أن نُحدث اتحاداً سورياً–عراقياً واتحاداً أردنياً–عراقياً؛ وبما أننا لم نفعل ذلك، فإنهم يعتقدون أننا نعارض هذين الاتحادين. وهذا مصدر إزعاج دائم في العلاقات الأنغلو–عراقية. وقد قيل لي أكثر من مرة من عراقيين إن علينا أن نظهر لهم «الضوء الأخضر»، أيّاً كان معنى ذلك. وعندما أرد بأن المسألة هي مسألة يجب أن تقررها الدول العربية المعنية بوصفها دولاً مستقلة بنفسها، وأنه سيكون من غير اللائق تماماً أن تتدخل حكومة جلالة الملكة، فإن العراقيين عادةً ما يغيرون موقفهم ويقولون إن الأمر متروك لنا إذن لنتأكد من أن الفرنسيين يلتزمون حياداً مماثلاً بدلاً من المداومة على الدسائس في سورية ضد الاتحاد. وأقرّ بأن لدي قدراً من التعاطف مع هذا الرأي، لكنني أدرك أنه ليس بوسعنا أن نفعل الكثير حياله لأسباب تتعلق بسياسة أعلى. وقد يكون من المفيد إنشاء وكالة ثلاثية للأسلحة لتسوية مطالب الدول العربية من السلاح، إلا أن الفرنسيين لن يرغبوا، بلا شك، في التخلي عن وضعهم الحالي بوصفهم الموردين الرئيسيين للسلاح إلى سورية، وهو الوضع الذي يعتمد عليه نفوذهم هناك.
7. إن أسباب الحفاظ على سياسة حيادنا هي في الواقع، في معظمها، خارجة عن المسألة الضيقة للعلاقات الأنغلو–عراقية. فهناك الحقيقة التي يجري التأكيد عليها باستمرار في المذكرات الواردة من عمّان، وهي أن التأييد للاتحاد في الأردن ضعيف. وأتصور أن الأمر نفسه ينطبق على سورية، على الأقل فيما يتعلق باتحادٍ مع العراق، من شأنه أن يمحو استقلال سورية ونظامها الجمهوري، وإن كنت لا أذكر أن مونتاغو-بولّوك عبّر عن نفسه بمثل هذا الحسم. وهناك أيضاً حقيقة أنه بتشجيعنا تكامل دول المشرق والعراق، فإننا سنثير عويلاً من السخط في مصر والمملكة العربية السعودية، ناهيك عن فرنسا. وهناك كذلك حقيقة أن الأمريكيين سيُحتمل أن يتأثروا بالرأي الصهيوني فيعارضوننا. ونحن أيضاً نحاول كسب ثقة إسرائيل، والإسرائيليون يعارضون بعنف فكرة الهلال الخصيب. وأخيراً، هناك حقيقة أن العالم العربي تركيب هش إلى درجة أنه لو بدأنا العبث به فقد ينهار كله إلى الأرض. ويبدو لي أن مجموع هذه العوامل يشكل حاجزاً هائلاً من العقبات بحيث إن تغيير سياستنا الحالية ليس من قبيل السياسة العملية حقاً، ولهذا السبب لم أشعر قط بأن لي ما يبرر الدعوة إلى ذلك لمصلحة العلاقات الأنغلو–عراقية (إلا كحلٍّ أخير في حال تفكك الأردن). وأشك كذلك في أنه سيكون من المرغوب فيه حتى اتخاذ الخط الأوسط الذي اقترحه فرلونغ في رسالته إلى روس المؤرخة 10 آذار/مارس (غير المرسلة إلى جميع المراكز) وتشجيع هذه البلدان على التعاون في مسائل اقتصادية محددة. وأعتقد أن دوافعنا ستصبح موضع شبهة فوراً. فلا يوجد سياسي عربي حقيقي مهتم فعلاً بالمسائل الاقتصادية، ولا سيصدق أننا لم يكن في ذهننا سوى مثل هذه المسائل. أما العراقيون، فإذا رسمنا الحد عند ذلك، فسيتهموننا بأننا نستدرجهم في طريقٍ مضلل، لأن ما يسعون إليه هو الاتحاد السياسي.
8. لكنني لم أذكر ما قد يكون أقوى اعتراضٍ فوري على تغيير سياستنا في الوقت الحاضر. وهو أن علاقات العراق بسورية والأردن سيئة للغاية في الوقت الراهن، بحيث إن مبادرتنا ستنطلق من أسوأ نقطة بداية ممكنة.
أرسل نسخاً من هذه الرسالة إلى رابّ، وستيفنسون، وتشابمان-أندروز، ومونتاغو-بولّوك، وإيفانس، وفرلونغ، وبيلهام، وفرانكس، وهارفي، وهِلم.
المخلص دائماً،
جون تراوتبك

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه