الدكتور مؤيد الونداوي
لم يكن ملك العرب رحمه الله يدرك اطلاقا ان أحلامه بجمع بلاد العرب في منطقة الجزيرة والمشرق العربي بكيان سياسي واحد لن يسمح لها ان تشهد النور. الدول الكبرى (روسيا، وفرنسا، وبريطانيا) تقاسمت ممتلكات الرجل المريض وهكذا توزعت ارض العرب بين الفرنسيين والانكليز وسعت تركيا وايران وكيانات اقليمية اخرى بدورها لاحقا ان تقضم ما بوسعها من أراض (الإسكندرونة، عربستان- فلسطين).
الحركات الوطنية التي برزت منذ تشكل جمعية العهد 1913 ومعظم الحكومات العربية التي تشكلت نادت وسعت نحو إقامة اتحادات عربية ثنائية وثلاثية واسست الجامعة العربية ورتبت لمعاهدات دفاع مشترك وتعاون اقتصادي وامن وغير ذلك، ولكن اثبتت الاحداث التاريخية ان كثر من القيادات العربية والحزبية والسياسية لم تكن مخلصة فيما كانت تدعيه، او انها أخفقت بتحقيق ما كانت تطمح اليه.
مراجعتي للوثائق البريطانية على مدى 130 سنة اثبتت لي ان الاوربيون وغيرهم كانوا جميعا ضد أي شكل من اشكال الوحدة بين العرب مثلما أيضا تعاونوا فيما بينهم باتجاه المزيد من التقسيم للمنطقة وإقامة كيانات سياسية مصطنعة هشة لمزيد من النهب للثورات التي يمتلكها العرب.
اليوم لا تسمع صيحات للوحدة في أي زاوية من زوايا العالم العربي، بل على العكس تطرح شعارات خطيرة تدعو لمزيد من التمزق والاحتراب الداخلي مع الأسف. وبات من يرفع شعاراتها متهما بتهم شتى.
ويبقى السؤال هو اين نجاة الامة وأين نجاة المنطقة وأين ومن هم دعاة الوحدة.
اعرض امامكم واحدة من الوثائق البريطانية التي يعود تاريخها لعام 1952 وهو تاريخ كان العالم يسمع بصوت عالي جدا قادة العرب ودعواتهم لأكثر من وحدة عربية، أصوات ناصر ونوري السعيد وغيرهم كثر...
سري
الاتحاد العراقي-الأردني
1. يتبين من برقية بغداد إلى عمّان رقم 75 (Saving) المؤرخة 20 تشرين الأول، ومن تقريرٍ سري لاحق، أن رئيس الوزراء العراقي ومجلس الوزراء قد أحيا الاقتراح (الذي طُرح في وقت وفاة الملك عبد الله عام 1951) لإقامة اتحادٍ سياسي أو فيدرالية بين العراق والأردن. وقد أبدى رئيس الوزراء اهتماماً بذلك في برقية بغداد؛ انظر رسالة السيد بيتبلادو المؤرخة 2 تشرين الثاني.
الخلفية
2. لقد اتخذت حكومة جلالته دائماً في العلن موقفاً محايداً إزاء هذه الفكرة. ونحن لا نرغب في أن نبدو معارضين لأي شكل من أشكال الوحدة العربية؛ غير أننا لا نستحسن الخطة لأسبابٍ مختلفة، مثلًا:–
(أ) من شأنها أن تعقّد علاقاتنا مع الأردن والفيلق العربي.
(ب) سيمنح الاتحاد العراق حدوداً مشتركة مع إسرائيل، وسيثير ذلك فزع الأخيرة كثيراً. إن التحكم عن بُعد في مشكلات إسرائيل–الأردن من بغداد سيكون خطِراً.
(ج) من شأنه أن يستعدي الدول العربية المجاورة، وكذلك فرنسا بالنظر إلى عدم ارتياحها للتغييرات في الوضع القائم في الشرق الأوسط.
(د) سيكون الاتحاد غير محبوب في الأردن، وهو غير طبيعي جغرافياً. وسيكون الأردن عبئاً اقتصادياً على العراق.
3. إن الأسباب المذكورة أعلاه لا تُرجَّح، في رأينا، بمثل هذه الاعتبارات كإمكان حمل العراق على أن يشاركنا العبء المالي لدعم الأردن، أو أن يقبل بعضاً من لاجئي فلسطين في الأردن (إن كانوا راغبين في الذهاب). وقد يكون الأمر مختلفاً لو أن الأردن كان، كما بدا لفترة في عام 1951، في خطر التفكك تماماً؛ غير أن الحال ليس كذلك في الوقت الحاضر.
الخلاصة
4. يبدو، إذن، أنه ينبغي لنا أن نستمر في اتخاذ موقف غير ملتزم تجاه هذا الاقتراح وما شابهه، مع التشديد عند الضرورة على أننا نوافق على التغييرات فقط إذا كانت تمثل الرغبات الوطنية ولم تُنفَّذ بالقوة. ويبدو أن السير ج. تروتبك قد تصرف على نحوٍ صحيح جداً إزاء اقتراح تقديم مساعدة بريطانية الذي عرضه عليه أحد أعضاء مجلس الوزراء العراقي، ولا يبدو أن ثمة حاجة إلى أي إجراءٍ إضافي على تلك الجبهة في الوقت الراهن.
أرفق (مع الاعتذار عن التأخير) مسودة رسالة إلى السيد بيتبلادو.
ب. س. فَلّا
P. S. Falla
19 تشرين الثاني/نوفمبر 1953












