"عالبساطة"… فلسفة منسية في زمن التضخم
متعة الحياة في بساطتها
في الستينات، كانت صباح تغني “عالبساطة البساطة ويا عيني عالبساطة”، والناس يبتسمون وهي تصف حياتهم اليومية: جبنة وزيتون للفطور، بطاطا على العشاء، وحصيرة في غرفة صغيرة تكفي لتسمى بيتًا. لم يكن أحد يتحدث عن التضخم، ولا عن أسعار النفط، ولا عن بورصة نيويورك. كان التلفزيون الأبيض والأسود رفاهية نادرة، والهاتف والبراد والغسالة علامات على أنك من “كبار القوم”.
اليوم، نعيش في زمن يقال إنه زمن التضخم. لكن التضخم الحقيقي ليس في الأسعار وحدها، بل في الاستهلاك. تضخم في كل شيء: في الطعام الذي صار يملأ الموائد حتى التخمة، في الملابس التي تتغير مع كل موسم، في الأجهزة التي تُستبدل قبل أن تُستهلك، وفي الطاقة التي تُهدر بلا حساب. تضخم حتى في الجريمة، كأن العالم كله قرر أن يعيش على إيقاع “فورة جنونية” لا تعرف حدودًا.
لكن دعونا نكُنْ صريحين للحظة: من منا يستطيع اليوم العيش بجبنة وزيتون وبطاطا؟ الجبنة نفسها صارت قضية وجودية، بين “العكاوي” الذي يقارب سعره سعر الذهب، و”المثلثات” التي صارت تذكرنا بأن الجبن لم يعد جبنًا بل مادة بلاستيكية بلون الجبن. والزيتون؟ لقد تحول من مخلل بسيط إلى سلعة عالمية تخضع أسعارها لمواسم الجفاف في إسبانيا والمضاربات في أسواق شيكاغو. أما البطاطا، مسكينة البطاطا، فهي اليوم تتربع على عرش الكربوهيدرات في نظام غذائي متوازن، لكنها في الوقت نفسه تخضع لمواصفات عالمية لا ترحم: مقرمشات في مطاعم الوجبات السريعة، أو أصابع مقلية تقدم مع الكاتشب، أو شرائح رفيعة في أكياس مزركشة ندفع ثمنها ضعف ثمن البطاطا نفسها.
التضخم الحقيقي ليس في الأسعار بل في الشراهة وربما الحل أن نعود إلى فلسفة البساطة ونكتفي بما يكفي بدل أن نستهلك بلا نهاية
المفارقة أن أغنية صباح التي بدت يومًا رومانسية بريئة، صارت اليوم فلسفة بديلة. ربما الحل أن نعود إلى الخمسينات والستينات، ونقتنع بأن السعادة لا تحتاج إلى أكثر من جبنة وزيتون وبطاطا. أن نعيد اكتشاف أن “الدرويش الطفران” قد يكون أكثر حكمة من أصحاب القصور، وأن الحصيرة قد تمنح راحة أكثر من الأرائك الفاخرة التي نصطدم بها كل صباح ونحن نبحث عن الهاتف الذي سقط بين وسائدها المريحة جدًا إلى درجة أنها تبتلع كل شيء.
لكن، من يجرؤ اليوم على أن يغني “عالبساطة” وهو محاط ببحر من الاستهلاك؟ من يجرؤ على أن يعلن أن البطاطا تكفي؟ تخيلوا لو وقف وزير الاقتصاد اليوم وقال: “يا شعب، الحل هو العودة إلى البساطة، اربطوا الأحزمة، وارجعوا إلى الجبنة والزيتون والبطاطا”. من سيستمع إليه؟
نحن نعيش في زمن يريدنا أن نستهلك لنكون سعداء، لكن السعادة الحقيقية ربما كانت في زمن كان فيه الاستهلاك أقل والشعور دافقا، زمن كان فيه طعم الجبنة طعمَ جبنة، وطعمُ الزيتون طعمَ زيتون، زمن كانت فيه البساطة أسلوب حياة.
ربما لو عادت صباح إلى الحياة، لضحكت من حالنا وقالت: أنتم لم تفهموا الأغنية أصلًا. أنا لم أقل لكم عيشوا بلا شيء، قلت لكم عيشوا بلا تعقيد. الجبنة جبنة، والزيتون زيتون، والبطاطا بطاطا، والبساطة هي أن ترضى بما لديك.
فهل نجرؤ على التجربة؟ أن نطفئ التلفاز قليلًا، ونطفئ الهاتف قليلًا، ونفتح نافذة على الماضي لنتعلم منه أن السعادة الحقيقية لا تُشترى بالمال، بل تُصنع بالقناعة.
علي قاسم
كاتب سوري مقيم في تونس













