رشا الزبيدي
لم يكن اسم رابعة العدوية مألوفًا لديّ في يومٍ من الأيام. أتذكر أنني كنت أتحدث مع أحد زملائي عن التصوف، وذكرنا خلال الحديث اسم شمس التبريزي، ثم فاجأني بذكر اسم رابعة العدوية. توقفت لحظةً وأنا أحاول أن أتذكر إن كنت قد سمعت بهذا الاسم من قبل، لكن الحقيقة أنني لم أكن أعرف عنها شيئًا.
سألته: "من تقصد برابعة العدوية؟". فأجابني ببساطة: "إنها إحدى أعظم المتصوفات في التاريخ". اعترفت له حينها بأنني لم أسمع بها من قبل، لكن ذلك الاعتراف ترك في داخلي شيئًا من الحرج، وكأنني اكتشفت فجأة أن هناك شخصية كبيرة في التاريخ الروحي لم تمرّ بي من قبل. انتهى الحديث سريعًا، غير أن الاسم ظلّ عالقًا في ذهني.
عدت بعدها أبحث وأقرأ، وكان اسمها وحده كافيًا ليوقظ في داخلي فضولًا عميقًا. كان اسم زميلي "يحيى"، وبذكره لاسم رابعة العدوية أحيا في داخلي حبّ الاكتشاف؛ وربما كان ذلك من أجمل ما يمكن أن يوقظ الإنسان: أن يقوده سؤال صغير إلى عالمٍ كامل من المعرفة.
لهذا قررت أن أكتب عن رابعة العدوية، لا بوصفها مجرد شخصية تاريخية، بل بوصفها تجربة إنسانية وروحية عميقة تستحق أن تُقرأ وتُتأمل. فربما يوجد أشخاص، كما كنت أنا يومًا، لم يسمعوا بها من قبل، لكنهم إن اقتربوا من سيرتها سيكتشفون عالمًا مدهشًا من الزهد والمحبة الصافية.
ومن بين ما يُنسب إليها من أقوال مؤثرة قولها:
"بقدر ما يتألم المرء، بقدر ما ينال من الفرح."
لقد كانت رابعة العدوية واحدة من أبرز رواد التصوف في بداياته، واسمًا لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن التجربة الصوفية في الإسلام. فقد عُرفت بزهدها العميق، وبحبها الخالص لله، حتى أصبحت رمزًا للتصوف القائم على المحبة الصادقة والتجرد من الدنيا.
وُلدت رابعة في البصرة لعائلة فقيرة جدًا، وكانت رابع أخواتها فسميت "رابعة"، وكان والدها رجلًا شديد التقوى والفقر. بعد موت والدها واشتداد الفقر، بيعت في سوق الرقيق واشتراها أحد "آل عتيك" وأصبحت مَوْلاةً لهم، وهي أسرة عربية كانت تعيش في البصرة في القرن الثاني الهجري. ومن هنا نعرف أن رابعة كانت في بداية حياتها أَمَةً أو جارية مملوكة، وهو أمر كان موجودًا في المجتمع آنذاك.
عُرفت بحبها الإلهي لله وحده بدون أي مطامع أخرى. وعندما كانت مَوْلاة آل عتيك، كان سيدها يتفقدها في بعض الليالي، وفي إحدى الليالي -كما تذكر المصادر- ذهب لتفقدها فوجدها محاطة بنور، وهنا اكتشف أنها امرأة صالحة تقية، وأنه يظلمها لو بقيت معه، فقرر عتقها وتحريرها.
هنا بدأت مرحلة ثانية من مراحل حياتها؛ فلم تكن تريد المكانة الاجتماعية ولا الغنى، بل كانت تريد الله. كانت تريد أن تشعر بهذا الحب الحقيقي، فأصبحت زاهدة تخلت عن كل ما يمكن أن يعيق طريقها، وكانت تصلي كثيرًا ولا تترك قيام الليل، فعرفت بالتقوى كما كان والدها، لكنها كانت أكثر زهدًا منه. وهناك مقال عُرفت به واشتهرت بمضمونه:
"اللهم إن كنت أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، أما إن كنت أعبدك حبًا لك فلا تحرمني من رؤيتك."
أرادت حب الله خالصًا، لا خوفًا ولا طمعًا، وهو أول حب لله خالص علّم العالم أجمع كيف يكون العشق الإلهي. ويُروى أنها خرجت يومًا في شوارع البصرة وهي تحمل مشعل نار في يد، ودلو ماء في اليد الأخرى، فاستغرب الناس وسألوها: "ماذا تفعلين يا رابعة؟". فأجابتهم بكلمات أصبحت من أشهر ما يُذكر في كتب التصوف:
"أريد أن أحرق الجنة بهذه النار، وأطفئ النار بهذا الماء، حتى لا يعبد الناس الله طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار، بل يعبدونه حبًا له وحده."
رغم صعوبة حياتها وفقرها، إلا أنها لم تتعرض للاضطهاد أو التعنيف بسبب أفكارها؛ لأنها كانت بعيدة عن الأمور السياسية والسلطة والحكام، فكان كل كلامها يدور حول "عبادة الحقيقة". كانت حياتها بسيطة، تذكر المصادر أنها كانت تمتلك أشياء بسيطة جدًا في بيتها، وكان الكثير من العلماء والشخصيات المعروفة يترددون إليها ليأخذوا من حكمتها.
كانت تهتم بالجميع، لدرجة أنها كانت تدعو للآخرين قبل أن تدعو لنفسها، فسألوها يومًا: "لماذا تدعين للناس قبل نفسك؟". فأجابتهم بهدوء: "الجار ثم الدار". ومن أجمل ما قالت أيضًا: "استغفارنا يحتاج إلى استغفار"، وكانت تقصد أن الكثير منا يستغفر بلسانه بينما قلبه لا يحضر فيه الخشوع والحب المطلوب. كانت تناجي الله وتردد: "إلهي، أتحرق بالنار قلبًا يحبك؟".
في نهاية حديثي عنها، أدركتُ أنها كانت ترى العالم مكانًا للسلام وليس للحروب، وعقلاً يدرك أن قيمة الإنسان في إخلاصه وتطهير نفسه من كل رذيلة. ومن شدة تعلقها بالله رفضت الزواج رغم تقدم الكثير من الصالحين لخطبتها؛ لأنها لم تكن تريد أن يشغل قلبها حبٌ آخر، أو يكون هناك منافس لله في قلبها.
أتمنى ممن يقرأ مقالي أن يعيد التفكير في حبه لله تعالى، وأن يرى تقصيره في عبادته. رابعة العدوية شخصية علمتني الكثير وغيرت منظوري للأمور.. فشكرًا لمن أحيا في قلبي فضول استكشافها.












