"الصدمة" التي أوقفت الحرب، ولكنها قد تعيد حرب 1958 على لبنان
إيران سقطت سهوًا من كلمة الرئيس
وجّه الرئيس اللبناني، جوزيف عون، الجمعة 17 أبريل/نيسان الجاري، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل حيّز التنفيذ.
كلمة اعتبرت في الشكل استكمالًا لخطاب القسم، مع نبرة عالية وإصرار أكيد على إن لا مجال لإخراج لبنان من دوامة الحرب إلا بالطرق الدبلوماسية. غامزًا من قناة الذين شنوا عليه موجه من التخوين في ما خصَ إطلاق مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، والذي ترجم باللقاء الذي جمع سفيرة لبنان في واشنطن إلى جانب السفير الإسرائيلي بحضور وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الثلاثاء 14 أبريل/نيسان الجاري.
لكنّ في المضمون، أحدثت الكلمة “صدمة” عند البعض بقدر ما أثارت عند البعض الأخر موجة من الارتياح والتأييد معتبرين أنّها تضمنت الكثير من الرسائل الوطنية لاسيما في ما خصّ تعمد الرئيس على فصل المسار اللبناني في التفاوض عن المسار الإيراني.
عودة الحرب على ضفاف مضيق هرمز قد تشعل الحرب في لبنان مجددًا وهذا حقيقي وغير مستبعد وأتى على لسان أكثر من مسؤول في هذا المحور
إنّ صدمة البعض، أتت بعد توجيه الرئيس عون سلسلة من الشكر خلال كلمته، إلى كلّ من الولايات المتحدة الأميركية، تحديدًا الرئيس دونالد ترامب، والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى الأشقاء العرب والدول الصديقة التي ساهمت في جهود الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار. هذا ما أثار حفيظة الحزب الذي أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، أن “كلام الرئيس عون لم يكن مفاجئًا بل صادمًا”.
لم يسقط شكر إيران سهوًا من كلمة الرئيس، هو الذي منذ اختياره رئيسًا للبنان تعمّد التأني في استخدام مضامين كلماته. هذا ما شكلّ صدمة عند الحزب، هو الذي لم يتفاجأ بقرار الرئيس بالتفاوض المباشر، بل في امتناعه عن توجيه الشكر إلى إيران. الأمر الذي يحمل في طياته رسائل رئاسية واضحة، قد تأخذ البلاد إلى اصطفافات عامودية تحمل ارتدادات تعطيلية على عهده الذي لم يزل في القسم الأول منه.
لا تتوانى القيادة في طهران ومعها حلفائها في لبنان على ربط وقف لإطلاق النار بالإصرار الذي حمله الوفد المفاوض الإيراني في إسلام أباد على ربط مصير الحرب في لبنان بمصير وقفها في إيران. لا بل ذهب الإيراني بعيدًا في التمسك بالورقة اللبنانية، من خلال ما أعلن عنه المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، السبت من أن فتح مضيق هرمز أمام السفن غير العسكرية مشروط بوقف إطلاق النار في لبنان.
صدمة الحزب من موقف رئيس البلاد، تتقاطع مع صدمة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد إن نقل عن موقع إكسيوس من إن الرجل ومستشاريه “صدموا” من منشور ترامب و”أخذوا على حين غرة” عند علمهم به عبر وسائل الإعلام. هذا المنشور الذي أتى بعد المكالمة الذي جمعت الرئيس ترامب مع الرئيس عون، والتي أثمرت في النهاية على وقف إطلاق النار مقابل التزام لبنان بالدخول في مفاوضات سلام مباشرة تنهي حالة من الصراع على الجبهة الجنوبية للبنان، حتى لو هذه التسوية لن تستطع أن تعيد لبنان إلى مجده ثانية كما عبّر ترامب.
عدم الرد العربي والخليجي على الاعتداءات الإيراني طيلة الحرب لا يعني أنه لن يكون هناك ردّ على أي اعتداءات جديدة وعلى ما يبدو تلّقت القيادة الإيرانية هذا
هي “الصدمة” التي فرضت وقف الأعمال العدائية، وألزمت حزب الله وإسرائيل على الالتزام بهدنة العشرة أيام، رغم الخروقات التي تحصل من قبل إسرائيل. ولكنّها قد تمّهد لهدنة طويلة في ظلّ التعمد الترامبي على سحب قرار الحرب من يد إسرائيل، مقابل إصرار الحزب على ربط مساره ومصيره بيد طهران اللاهثة إلى تسوية.
يفهم من هذا إن عودة الحرب على ضفاف مضيق هرمز قد تشعل الحرب في لبنان مجددًا، وهذا حقيقي وغير مستبعد، وأتى على لسان أكثر من مسؤول في هذا المحور. لكنّ الحرب الأخيرة في المنطقة أفرزت لاعبين جدد لا يمكن القفز فوقهم، وإن عدم الرد العربي والخليجي على الاعتداءات الإيراني طيلة الحرب لا يعني أنه لن يكون هناك ردّ على أي اعتداءات جديدة، وعلى ما يبدو تلّقت القيادة الإيرانية هذا.
لكنّ ما يجب التوقف عنده، هو أن دخول باكستان على خطّ التسوية، مع إصرار القيادة فيها على إتمام صفقة السلام، ولكنّ ما أكده أيضًا الباكستاني هو الوقوف عسكريًا في أي حرب مستقبلية إلى جانب المملكة، ما يعطي رسالة واضحة إلى الجانب الإيراني من إعادة ضبط حسابات إطلاق صواريخها. فالمنطقة دخلت بتشكيلات جديدة، وإن التنسيق الذي يجمع، القطري والتركي والباكستاني والسعودي، له دلالات واضحة في تنويع وسائل الدفاع وحماية الأمن القومي ما يبرز قوة إقليمية صاعدة أطلق عليها البعض “ناتو أخر”.
ليس الإسرائيلي وحزب الله من أصيبوا بالصدمة، بل كل من يعيش في هذه المنطقة، وتحديدًا اللبناني الذي لم يستوعب قرار وقف إطلاق النار بهذه السهولة، هو الذي أطلق على الهدنة بين حزب الله وإسرائيل بـ”الهشّة”، وينتظر تدهورًا سريعًا نحو جولة جديدة. أمام مشهدية الصدمة والتخوف من عودة الحرب في لبنان، يبقى الأكيد أن لبنان دخل سباق الانتظار القائم على التموضع الجديد بين محور إيران أم محور واشنطن، وبين هذا الانتظار هل سيقع لبنان في ميني حرب أهلية تشبه تمامًا تلك التي وقع فيها عام 1958 نتيجة التموضع بين حلف بغداد بقيادة الرئيس السابق كميل شمعون، والقوة الرافضة لهذا الحلف بقيادة الراحل كمال جنبلاط ورشيد كرامي وحظيت بدعم من الحركة الناصرية؟
د. جيرار ديب
كاتب ومحلل سياسي لبناني













