"سفر خالد" كلية الأمن القومي – أواخر عام 1982

محمد موسى

في أواخر عام 1982، كانت كلية الأمن القومي تقف على أعتاب فصل جديد من تاريخها. ففي تلك الفترة، تسلّم العقيد الركـــن عبدالملك عبدالله الحمداني منصب عميد الكلية، حاملاً معه خبرة ميدانية اكتسبها من موقعه السابق كضابط ركـــن استخبارات في فرقة المشاة 23. جاء الحمداني إلى هذا المنصب ليقود مرحلة تعكس طموح الكلية في تعزيز مكانتها كمنارة للتأهيل الأمني والعسكري المتقدم.

حوار على طاولة الأرشيف مع العميد الركـــن عبدالملك عبدالله الحمداني

. نستحضر سيرته عبر حوار متخيَّل، وكأننا نجلس معه وزملاؤه وطلابه، نستمع إلى شهادات تعيد رسم صورة الرجل الذي حمل على عاتقه مسؤولية إعداد قيادات الصف الأول في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العراق.
. المكان : قاعة أرشيفية هادئة بكلية الأمن القومي، تفوح منها رائحة الورق القديم، وتتناثر فيها صور الدورات وشعارات الكلية.
. الزمان : لحظة استحضار تاريخية، حيث تجلس الذاكرة في مواجهة الماضي.

. المحاور: سيدي العميد، لو عدنا إلى البدايات، كيف تصف رحلتك الأولى مع العسكرية؟
. الحمداني (بصوت متخيل، وكأن صدى كلماته يتردد في القاعة):
"ولدتُ في نينوى عام 1940. وفي الأول من كانون الثاني 1964 خطوتُ أولى خطواتي في الجيش العراقي. بعدها بعامين، في السادس من حزيران 1966، حملتُ رتبة ملازم على كتفي، وكأنها عهدٌ مع الوطن.
كنتُ أدرك أن طريق صنف المدفعية، بكل ما فيه من صرامة ودقة، سيصنع منّي ضابطاً يفهم قيمة الانضباط قبل أي شيء آخر."

. المحاور: وماذا عن مسيرتك التعليمية؟
. الحمداني: "كنتُ من خريجي الكلية العسكرية – الدورة 43. وفي عام 1974 التحقتُ بدورة الأركان 41 حتى تموز 1975. لكن الفخر الأكبر جاء من الدورات التخصصية: الحرب الإلكترونية، الاستخبارات المركزة، والقيادة للضباط الأحداث. تلك الدورات كانت محطات نحتت ملامح عقلي العسكري."

(تظهر على الجدار صور لدورات الأمن القومي، وكأنها تراقب الحوار.)

. المحاور: لنقف عند كلية الأمن القومي، تلك المرحلة التي يعرفك بها الكثيرون.
. الحمداني: "تسلمتُ عمادة الكلية في منتصف عام 1982 بعد الرائد الركـــن خليل شاكر مصطفى. كانت المسؤولية ثقيلة، لكنها جميلة. أشرفتُ على تخرج الدورة الخامسة في كانون الثاني 1983، ثم السادسة عام 1984، والسابعة عام 1985.
كانت تلك السنوات مليئة بالتحديات، كنا نسعى لتأسيس عقل أمني وطني، عقل يفكر قبل أن يرد الفعل."

أحد الطلاب (صوت متخيل يخرج من صورة قديمة):
"كان سيادة العميد يقول لنا: ’الأمن القومي ليس أسواراً تعلو، بل عقولاً ترى ما وراء الأفق.‘ كلماته ما زالت ترن في آذاننا."

. المحاور: لنعد قليلاً إلى تنقلاتك ومناصبك. كيف تشكّلت خبرتك عبر السنوات؟
الحمداني: "بدأتُ كآمر فصيل مدفعية، ثم عملتُ ضابط رصد في كتيبة مدفعية ميدان/18. بعدها رافقتُ قائد الفرقة المدرعة الثالثة، وانتقلتُ إلى مجال الاستخبارات حيث شغلتُ مناصب حساسة: ضابط استخبارات اللواء الآلي/14، وضابط ركـــن استخبارات في الفرقة المشاة/23.

. المحاور: وماذا عن المناصب التي شغلتها بعد عمادتك لكلية الأمن القومي؟
. الحمداني (يعددها بصوت هادئ):
"من حركات الفيلق إلى استخباراته، ثم آمرية المواقع، وصولاً إلى إدارة الميرة.
كنتُ:
. ضابط الركـــن الأول الفرقة المشاة/26.
. ضابط ركـــن/3 استخبارات الفيلق الخامس.
. ضابط ركـــن/2 استخبارات الفيلق الرابع.
. آمر مدرسة الاستخبارات العسكرية.
. مدير منظومة استخبارات المنطقة الشمالية.
. ضابط ركـــن أقدم في مواقع الفيلقين الثالث والرابع، ثم الأول.
وأخيراً مدير إدارة وميرة الفيلق الرابع."

زميل له (صوت متخيل يخرج من دفتر أرشيفي):
"كان عبدالملك الحمداني قائداً من طراز خاص. لم يكن يرفع صوته، لكنك تعلم أن كلماته لا تُناقش. كان يجمع بين حدة الميدان وهدوء التفكير الاستراتيجي."

. المحاور: هل كنتَ ترى نفسك قائداً صارماً؟
. الحمداني: "الصَرامة ليست قسوة، بل وضوح في الموقف. تعلمتُ أن القائد الذي يملك الشجاعة ليقول ’لا‘ في الوقت المناسب، يحمي جنوده ووطنه."

. المحاور (بصوت متأثر): وبعد تلك المسيرة، كيف كانت لحظة الوداع للزي العسكري؟
. الحمداني: "أُحلتُ إلى التقاعد عام 1993 بعد ما يقارب ثلاثة عقود من الخدمة. كنتُ أظن أنني سأجد بعض السلام في قريتي ’يارمجة‘ جنوب غرب نينوى."

(تسقط ورقة قديمة من ملف أرشيفي، كأنها تحمل خبر النهاية.)

. الراوي: "لكن القدر كان أسرع. ففي 17 نيسان 1994، رحل العميد عبدالملك الحمداني إثر حادث اختناق مع ولده في بستانه. رحيل صامت لرجل عاش بصوت الواجب."

. شهادة للتاريخ أحد طلابه (صوت متخيل):
"حين نذكره، نتذكر معلماً قبل أن نتذكر قائداً. علّمنا أن رجل الأمن يجب أن يكون قارئاً للتاريخ وصانعاً للمستقبل. لم تكن كلماته مجرد أوامر، بل دروساً تُكتب في الذاكرة."

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه