(تايوان قبل إيران) كيف تُعيد الصين رسم النظام العالمي؟
بقلم/ د. فالح الشبلي
ليست كل القمم الدولية مناسبات دبلوماسية عابرة، فبعض اللقاءات تُدار أمام الكاميرات، بينما تُصاغ نتائجها الحقيقية في المساحات الرمادية بين الكلمات.
وهذا ما بدا واضحًا في القمة الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين، والتي ظهرت ظاهريًّا كاجتماع لاحتواء التوتر، لكنها في العمق بدت أقرب إلى اختبار توازن بين قوتين تدركان أن العالم يقترب من لحظة انتقال تاريخية.
فالصين لم تدخل القمة بعقلية الدولة الباحثة عن تهدئة مؤقتة أو مكاسب إعلامية، بل دخلتها بوصفها قوة صاعدة ترى أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب الباردة لم يعد يعكس موازين القوة الجديدة.
ولهذا، لم يكن الملف الأخطر في نظر بكين هو إيران، ولا الحرب التجارية، ولا الرسوم الجمركية، بل كانت تايوان هي القضية التي اختزلت جوهر الصراع القادم.
الصين تنظر إلى تايوان باعتبارها مسألة سيادة ووحدة وطنية وأمن قومي، لا مجرد ورقة جيوسياسية قابلة للتفاوض.
ومن هنا جاءت الرسالة الصينية الأكثر وضوحًا، وإن لم تُعلن بشكل مباشر:
يمكننا التفاهم حول الاقتصاد والطاقة وحتى النفوذ العالمي، لكن تايوان ليست ضمن الملفات القابلة للمساومة.
الجاذب للانتباه أن بكين لم تستخدم خطاب التصعيد التقليدي، بل تحدثت بلغة أكثر براغماتية وهدوءًا، لغة "الشراكة المشروطة"؛ أي: شراكة تقوم على الاعتراف المتبادل بالنفوذ، لا على التبعية لقطب دولي واحد.
وهنا تحديدًا يظهر مفهوم "فخ ثيوسيديس"، وهو المصطلح الذي يصف احتمالية الصدام بين قوة مهيمنة تخشى فقدان مركزها، وقوة صاعدة ترى أن الوقت بات يعمل لصالحها.
فالولايات المتحدة لا تزال تعتبر نفسها الحارس الرئيس للنظام العالمي، بينما ترى الصين أن مرحلة الهيمنة المنفردة تقترب من نهايتها، وأن القرن الجديد لا يمكن أن يُدار بعقلية ما بعد الحرب الباردة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم طبيعة الحذر الذي طغى على القمة.
فواشنطن تدرك أن الصين ليست خصمًا عسكريًّا فقط، بل قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وحتى الاستقرار الداخلي الأمريكي.
أما بكين، فهي تعرف أن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ستكون مكلفة إلى درجة قد تُدخل العالم في مرحلة اضطراب غير مسبوقة.
ولهذا، بدت القمة وكأنها هدنة استراتيجية مؤقتة أكثر من كونها اتفاقًا نهائيًّا.
هدنة بين قوتين تعرفان أن الصدام المباشر لم يعد خيارًا سهلًا، وأن إدارة التنافس أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
لكن الرسالة الصينية الأعمق كانت في مكان آخر:
الصين لا تريد أن تقود العالم بدل الولايات المتحدة بالطريقة التقليدية نفسها، بل تريد اعترافًا أمريكيًّا بأنها أصبحت قوة مساوية لا يمكن احتواؤها أو التعامل معها باعتبارها مجرد منافس اقتصادي.
وفي المقابل، تحاول واشنطن إبطاء الصعود الصيني دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكبير، لأن التاريخ يُظهر أن لحظات انتقال القوة بين الإمبراطوريات غالبًا ما تكون أخطر مراحل النظام الدولي.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال بالغ الحساسية:
هل بدأت القوى الكبرى فعلًا إعادة توزيع الأولويات ومناطق النفوذ؟
في مقالي السابق بعنوان "الحرب العالمية الثالثة"، طرحت فرضية سياسية قائمة على مبدإ المقايضات الاستراتيجية غير المعلنة، تحت عنوان:
"تايوان مقابل إيران".
ومن هذا المنطلق، أثار انتباهي في ذلك الوقت تحرك حاملة الطائرات الأمريكية من محيط تايوان إلى اتجاه الخليج العربي، وهو ما فتح باب التساؤل حول احتمالية وجود تفاهمات غير مباشرة بين واشنطن وبكين، وربما موسكو أيضًا، تقوم على تخفيف الحساسية في الملف التايواني مقابل تقليص الانخراط الصيني أو الروسي في أي مواجهة ط محتملة مع إيران.
قد تبقى هذه القراءة ضمن إطار التحليل السياسي لا أكثر، لكن التاريخ بين القوى الكبرى يقول: إن أكثر الاتفاقات تأثيرًا لا تُعلن، وإن التفاهمات الحقيقية غالبًا ما تُدار بعيدًا عن الأضواء.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأخطر اليوم متعلقًا بإيران أو أوكرانيا أو حتى النزاعات التجارية، بل بالسؤال الذي يختبئ خلف كل هذه الملفات:
من سيقود القرن القادم؟













