"خروف VIP" يتحدى الرواتب
شراء الأضحية بعقلية اقتناء الذهب
في تونس، لم يعد شراء خروف العيد مجرد شعيرة دينية، بل تحوّل إلى مغامرة اقتصادية أقرب إلى الدخول في بورصة عالمية أو صفقة لاقتناء سيارة فاخرة بالتقسيط المريح على عشرين سنة. فحين يبلغ سعر الخروف خمسة آلاف دينار وربما أكثر، يصبح من حق المواطن أن يتساءل إن كان سيشتري أضحية أم سهما في شركة متعددة الجنسيات متخصصة في إنتاج الصوف العضوي.
الطريف أن الأمر لا يتعلق بندرة لحوم الخرفان، فحتى من قرر "الهروب إلى الأمام" والتوجه إلى القصاب بدل اقتناء أضحية كاملة، اصطدم بأسعار جعلت لحم الخروف يبدو وكأنه مستورد من كوكب آخر. سبعون دينارا للكيلوغرام الواحد في بعض محلات الجزارة! أي أن المواطن صار يشتري "الضلعة" بعقلية من يقتني قطعة ذهبية نادرة، يطلب من القصاب أن يزنها برفق حتى لا ينهار راتبه النفسي قبل المادي.
ورغم هذا الجنون، لا يزال التونسي متشبثا بحقّه في القيام بالشعيرة الإسلامية، وكأن المسألة أصبحت معركة كرامة وطنية. فالعائلات التي كانت قبل سنوات تناقش نوعية الكبش وحجمه وقرونه، أصبحت اليوم تناقش القروض السريعة، والبيع بالتقسيط، وإمكانية إشراك الجيران في خروف "تعاوني" على طريقة المشاريع الناشئة. أما المقاطعة التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي بالشعارات الحماسية، فقد تبخرت بمجرد اقتراب العيد.
المؤلم في الحكاية أن الشعيرة الدينية التي يفترض أن تحمل معاني التضامن والتراحم، أصبحت مناسبة سنوية لاختبار القدرة الشرائية للمواطن
والواقع أن أغلب من قاطعوا كانوا في الحقيقة ينتظرون معجزة سماوية تخفض الأسعار في آخر لحظة، أو أملا ساذجا في أن يستيقظ السماسرة فجأة وقد قرروا ممارسة الزهد والتقوى.
لكن السماسرة، للأسف، لا يصابون بمثل هذه الصحوات الروحية. فهؤلاء يعتبرون موسم الأضاحي موسما ذهبيا لا يختلف كثيرا عن مواسم المضاربة في العقارات أو العملات. يدخلون السوق بخطاب محفوظ: "العلف غال"، "النقل مكلف"، "الجفاف أثر على الماشية"، ثم يرفعون الأسعار وكأنهم يعلنون زيادة في أسعار النفط العالمية. والمواطن المسكين يهز رأسه مقتنعا، رغم أنه يعرف في قرارة نفسه أن بعض هؤلاء حولوا العيد من مناسبة دينية إلى مشروع استثماري موسمي بعائدات خرافية… حرفيا.
المفارقة أن الخروف نفسه يبدو أحيانا أكثر توترا من المشتري. فهو يرى الناس يتفحصون أسنانه وصوفه ووزنه وكأنه مرشح لوظيفة مرموقة، ثم يسمع أرقاما خيالية تتداول حوله فيدرك أنه أصبح "خروفا VIP". وربما لو استطاع الكلام لرفض أن يُباع بأقل من خمسة آلاف دينار حفاظا على قيمته السوقية وهيبته بين بقية الأغنام.
وفي بقية الدول العربية، الصورة ليست أفضل حالا. من المغرب إلى مصر مرورا بعدد من العواصم العربية، تحولت الأضحية إلى هاجس اقتصادي يرهق الأسر محدودة الدخل. الكل يشتكي من الأسعار، والكل يلعن الجشع، لكن الأسواق تبقى مكتظة، وكأن المواطن العربي يمتلك قدرة خارقة على التكيف مع الأزمات. قد يتخلى عن السفر، وعن المطاعم، وعن الكماليات، لكنه لا يريد أن يشعر بأنه عاجز عن شراء أضحية العيد، لأن المسألة بالنسبة إليه ليست مجرد لحم، بل جزء من الذاكرة الجماعية والهوية الاجتماعية.
المؤلم في الحكاية أن الشعيرة الدينية التي يفترض أن تحمل معاني التضامن والتراحم، أصبحت مناسبة سنوية لاختبار القدرة الشرائية للمواطن. فبدل أن ينشغل الناس بروح العيد، باتوا منشغلين بمقارنة الأسعار وملاحقة الإشاعات حول انخفاض مرتقب لا يأتي أبدا. حتى الأطفال الذين كانوا يحلمون باللعب مع الخروف قبل العيد، صاروا يسمعون آباءهم يتحدثون عنه وكأنه مشروع مالي عالي المخاطر.
وربما آن الأوان للاعتراف بأن الأزمة ليست في الخروف وحده، بل في ثقافة استهلاكية جعلت البعض يربط قيمة العيد بحجم الأضحية وسعرها. والحال أن روح المناسبة لا تُقاس بعدد الكيلوغرامات ولا بحجم القرون، بل بمعاني التكافل والرحمة. لكن في زمن السماسرة والمضاربين، حتى الرحمة نفسها أصبحت تُباع بالكيلو… وعلى الأرجح بسعر مرتفع أيضا.
لمياء سلام
صحافية تونسية













